قبل الميلاد . وجميع هذه الأرصاد ، قام بها راصدون منعزلون ، وجرت مستقلة بعضها عن البعض الآخر ، وغير متواصِلة ، ودون أيّ رابط بين نتائجها .
بعد بطلميوس ، لم تجرِ في حوض البحر الأبيض المتوسط إلّا بعض الأرصاد الفلكية المنعزلة التي أُحصيت خلال القرون السبعة اللاحقة . وقد استؤنِفت أعمال الرصد في بغداد ودمشق تحديداً ، في القرن التاسع ، ولكن على قواعد جرى تجديدها كلياً هذه المرّة ؛ فسوف نرى أنّ مبدأ الأرصاد المتواصلة قد وُجد ووُضع موضع التنفيذ للمرة الأولى في هاتين المدينتين ، وذلك بالإضافة إلى اهتمام ثابت بمسألة التقدم في دقة الأرصاد ؛ كما سنرى أنّ هذا العمل كان جماعياً ، فقد كانت تقوم به فرق من العلماء ، كانوا يتبادلون ما يتوصلون إليه من نتائج في أماكن مختلفة كدمشق وبغداد مثلًا . وسنبيّن هذا الأمر بشكل رئيسي بالنسبة إلى الأرصاد المتعلقة بحركة الشمس ؛ لكنّنا ، قبل ذلك ، سنستعرض بشكل سريع تطور طرق قياس أبعاد الأرض والحسابات المتعلّقة بذلك .
1 - أبعاد الأرض .
إنّ أوّل قياس نملك وصفاً له ، دقيقاً إلى حدّ ما ، هو القياس الذي أجراه إيراتوستين
( Eratosthene )
في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد . فقد سجّل هذا العالِم أنّ الشمس ، في ظُهر يوم الانقلاب الصيفي ، كانت تمر تماماً في سمت الرأس لمدينة سيان ( أسوان الحالية ) التي تقع بالضبط في جنوب الإسكندرية على مسافة خمسة آلاف استاديا « 1 » . وقد قام بقياس تبيّن له من خلاله أنّ الشمس ، في ظهر ذلك اليوم نفسه من السنة في الإسكندرية ، كانت تقع على مسافة 12 . 7 درجة من سمت الرأس ( جزء من خمسين من الدائرة ) ، واستنتج من ذلك أنّ محيط الدائرة كان يساوي 250000 استاديا . ولكن من الصعب تقدير دقة هذا القياس ، لأنّنا لا نعرف بالضبط قيمة الاستاديا التي استخدمها إيراتوستين .
. . .
الشكل 1
يؤكد بطلميوس في كتاب " الاقتصاص " أنّ محيط الأرض يساوي 180000 استاديا « 2 » . وقد تناول
هامش
( 1 ) - وحدة قياس طوليّة ، وهي كلِمة يونانيّة الأصل هيstade، نقلها العلماء العرب بالكلمة استاديا محافظين على اللفظة اليونانيّة ( المترجِم ) .
( 2 ) - راجع :Morelon , 1993 , P . 70