لديهم ما يدعوهم إلى النظر إلى الوراء فاتهم بعض الفقهاء اليهود والمسيحيين بإخفاء أجزاء من العهد القديم والعهد الجديد في الكتاب المقدس ، أو إساءة تفسيرها ، وقالوا إن هذه الأجزاء كانت تتنبأ بقدوم النبي محمد رسولًا من الله إلى البشر أجمعين . ولكن سلوك المسلمين تجاه « أهل الذمة » على مستوى الواقع كان طيبًا ، فقد عاشوا حياتهم وتمتعوا بحرياتهم الدينية والاجتماعية ؛ بل إن بعضهم شغل مواقع الوزارة والحكم والإدارة العليا في مختلف أنحاء العالم الإسلامي .
( 4 )
المسلمون والنصارى قبل الحروب الصليبية
في الوقت الذي كان المبشرون النصارى يحاولون تنصير الأنكلو سكسون وغيرهم من سكان الجزر البريطانية ، ويحاولون نشر المسيحية في أجزاء أخرى من أوروبا الغربية والشمالية ، كانت حركة الفتوح الإسلامية تمضي بسرعة كبيرة في حوض البحر المتوسط وفي آسيا أيضا . وقد شهد القرن السابع الميلادي / الأول الهجري إنجاز الشطر الأكبر من تلك الفتوح ، إلا أن عملية تنصير أوروبا استمرت في بعض الأجزاء ( في الشرق والشمال ) حتى القرن العاشر الميلادي / الرابع الهجري . ويعني هذا أن « الإسلام » لم يكن يمثل شيئًا لبعض مناطق أوروبا الغربية والشمالية ، وبعض مناطق وسط أوروبا التي كانت ما تزال وثنية في ذلك الزمان ، وأن الإسلام كان ظاهرة متوسطية عرفتها جزر المتوسط ، وإيطاليا ، وفرنسا ، وشبه جزيرة إيبيريا بسبب الإقتراب الجغرافي والاحتكاك المباشر مع المسلمين من جهة ، وبسبب رسوخ المسيحية نسبيًا في تلك الأنحاء من جهة أخرى .
من جهة أخرى الحديث عن إيطاليا وفرنسا وإسبانيا في ذلك الزمان حديثًا عن مناطق وتسميات جغرافية دون أية دلالات سياسية أو قومية ، لأن الدول بمعناها الحديث لم تكن قد ظهرت في أوروبا حتى القرن الثالث عشر في الأقل . فقد كانت أوروبا الغربية كلها كيانًا واحدًا يخضع لبعض الملكيات الجرمانية البدائية على المستوى السياسي ، وللسلطة البابوية الكاثوليكية على المستوى الديني . وفي ذلك الدور المبكر من التاريخ الأوروبي الوسيط كانت الكنيسة تتولى القيادة الأخلاقية والتوجيه الفكري لشعوب أوروبا لأن التعليم كان مقتصراً على دوائر الرهبان والقساوسة . وكان طبيعيًا أن تعبر كتابات هؤلاء عن عالمهم الضيق ، وعن رؤاهم التي لونتها مصالحهم ومخاوفهم من انتشار الإسلام . وبالتالي ، فإن ما بقي من كتاباتهم يعبر عن « دعاوة » صنعها الخيال أكثر مما يعبر عن « معرفة » أنتجتها المعايشة والاحتكاك . وفي كثير من الأحيان كانت « تصوراتهم » مبنية على ما سمعوه من مصادر كنسية شرقية . وقد أوضحنا سابقاً كيف أن النصوص التي كتبها المسيحيون الشرقيون عكست قدرًا من الحقائق التاريخية النسبية ، وحملت قدرًا أكبر من التصورات العدائية التي خلقها التعصب والهوى . فقد عرف بعض رجال الكنائس الشرقية الكثير من الحقائق التاريخية عن الإسلام ، وعن النبي " ص " ، ولكنهم
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 68
مساهمون: نخبة من الأكاديميين
ص٦٨