تفسير النبوءة أن يأجوج يمثل شعب الفيزيقوط الذين كانت إسبانيا الأرض التي عاشوا فوق ترابها حين نجحوا في انتزاعها لأنفسهم في غمار حركة الغزوات الجرمانية ؛ وبسبب خطاياهم تعين عليهم أن يدفعوا الجزية للمسلمين . وقال المؤلف الذي كان يكتب سنة 833 م إن هناك نبوءات تقول إنه في غضون أشهر قليلة سوف ينتهي حكم العرب وسيعود السلام إلى الكنيسة الإسبانية . ومرت سنة 833 م ولم تتحقق النبوءة بطبيعة الحال . ومع هذا ، فإن فكرة أن يأجوج كان يحكم الشمال ، وأن الغاصب إسماعيل ( أي المسلمين ) كان يحتل بقية البلاد ، ظلت باقية بطريقة أو بأخرى لتكون أساسًا لفكرة الاسترداد
Reconquesta
التي صارت مصطلحًا دالًا على الحرب التي شنها الكاثوليك الإسبان ضد المسلمين في الأندلس .
فإذا ما نظرنا إلى الجانب الإسلامي في الأندلس نجد الصورة مماثلة تمامًا ؛ إذْ إن الكُتاب المسلمين اسخدموا كلمة بعينها للإشارة إلى الخط الفاصل بين العالمين الإسلامي والمسيحي وهي كلمة « ثغر » ( جمعها ثغور ) . وهي كلمة مثيرة تمامًا لأن ابن منظور في « لسان العرب » يُعرّفها بأنها شريط الأرض الذي يفصل « دار السلام » عن « دار الحرب » ؛ ومن ثم فإنه بعد الخروج من « الثغر » يصير الجهاد فرضًا على كل حاكم مسلم . وتؤكد النظرية السياسية الإسلامية على أن أحد الواجبات الرئيسة للحاكم المسلم أن يدافع عن الثغور ويمدها بما يلزمها من قوات . وإذا كان الكتاب الأندلسيون في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي قد تملكتهم فكرة الشرعية الدينية والسياسية لحكامهم ( الذين أقاموا دولة منفصلة عن الخلافة العباسية التي قامت سنة 132 ه - على أنقاض الخلافة الأموية ) ، فإنهم لم يفوتوا الفرصة لكي يبينوا كيف حرص الأمويون في الأندلس على القيام بواجب الجهاد دفاعاً عن دار الإسلام .
ولكن الحقيقة التاريخية تأبى الانصياع لمزاعم الإيديولوجية الدينية . وذلك أن المثال الإسباني نفسه يكذب هذه الإيديولوجية على الجانبين . فقد أثبتت الدراسة أن الذي سكن شمال شبه جزيرة إيبيريا لم يكن يأجوج ، وإنما عصبة من الشعوب البدائية التي لم يكن هدفها الدفاع عن المسيحية ( لأنهم لم يعتنقوا المسيحية سوى في مرحلة متأخرة ، وهذا ما يجعل الفكرة الإيديولوجية عن الحدود الإسلامية - المسيحية تتداعى وتنهار .
ومن ناحية أخرى ، فإن فكرة الحدود ، أو الثغور ، قد نشأت في مشرق العالم الإسلامي أساسًا ، وكان لها معنى خاص للغاية في النظرية السياسية الإسلامية ارتبط بالجهاد وواجب حماية هذه الثغور بالرباطات ( مفردها رباط ) التي كانت تحصينات تأوي المحاربين المسلمين الذين مزجوا بين واجباتهم العسكرية والحياة الدينية القويمة . وعلى الرغم من هذه الصياغات البلاغية الواردة في كتب الفقه ، فإن الأمر لم يكن كذلك على مستوى الوقائع التاريخية . ففي أعالي بلاد الشام ، حيث الحدود المشتركة بين المسلمين واليزنطيين ، كان المسلمون يأخذون بزمام المبادرة ضد الروم « البيزنطيين » حتى أنهم فرضوا حصارًا طويلًا على القسطنطينية أكثر من مرة . كما كانت لكل مدينة في الشام وآسيا الصغرى