بن هلال الحمصي « 1 » . ولكنّ المشروع يبقى ، كما لاحظنا ، نتاج جهد علماء - مترجِمين : ثابت بن قرّة وبني موسى ، أقلّه كمراجِعين . ولا يجوز أن نخلط بين هذه الترجمة ، التي أشرف عليها علماء مبدعون من المنزلة الأرفع ، وبين الترجمة العاديّة ، ولا بينها وبين ترجمة المترجِمين - العلماء . هي بالتأكيد ، كما هذه الأخيرة ، تنقل إلى العربيّة مؤلّفاً يونانيّاً فُهِم كما يجب وتمّ التمكّن منه بالتمام ؛ غير أنّها من ناحية أخرى تكتَسِب قيمة استكشافيّة أكيدة : فترجمة العلماء - المترجِمين هي وسيلة صحيحة للاكتشاف ولإعادة تنظيم المعرفة . إنّها تلعب هذا الدور الجديد لأنّها ، من بين كلّ الترجمات ، هي الأكثر ارتباطاً بالبحث . ومن أجل إيضاح هذه الوظيفة الجديدة ، نعود إلى ثابت بن قرّة ، ونبدأ بكتابه " في قطوع الأسطوانة وبسيطها " « 2 » .
في هذا الكتاب يسترجع ثابت ، بشكلٍ ما ، كتابَ الحسن بن موسى الذي سبق ذكره ، وبحوزته مؤلَّف " المخروطات " ، ومجمل الترجمة للكتبه السبعة ( الأولى ) منه . هنا ، قدّمت له " مخروطات " أبولونيوس نموذجاً لإعداد نظريّة جديدة في الأسطوانة وفي قطوعها المستوية ؛ وقدّم له كتاب أستاذِه * « 3 » وسائل سوف يطوّرها بنفسه ، وهي الإسقاطات والتحويلات الهندسيّة . يَعتَبِر ثابت بن قرّة في الواقع ، ( وهذه هي الخطوة الأولى في هذا الاتّجاه ) ، المساحة الأسطوانيّة كمساحة مخروطيّة ، والأسطوانة كمخروطٍ أُبعِدَ رأسه إلى اللا نهاية ، في وجهة معطاة . يبدأ بتحديد المساحة الأسطوانيّة ، ثمّ بتحديد الأسطوانة ، كما فعل أبولونيوس في " المخروطات " إذ حدّد أوّلًا المساحة المخروطيّة ومن ثمّ المخروط . واتّبع كذلك ترتيبَ أبولونيوس نفسَه في التحديدات : المحور ، المولِّد ، القاعدة ، والأسطوانة القائمة ، والمنحنية . يتأكّد أيضاً التشابه في المسيرة عندما نفحص القضايا الأولى من كتاب ثابت « 4 » . كان مؤلَّف " مخروطات " أبولونيوس نموذجاً اعتمده ثابت لإعداد نظريّته الجديدة في الأسطوانة ؛ وتلبيةً لحاجات هذه النظريّة ، طوّر ثابت دراسة التحويلات الهندسيّة .
هكذا تكون الدعوة لترجمة " المخروطات " من ضمن متطلّبات البحث الذي قام به الحسن بن موسى وتلميذه ثابت بن قرّة . ولكنّ هذا البحث ، كما سبق وقلنا ، لم يكن الوحيد الذي استدعى ذلك . فقد اهتمّ ثابت أيضاً ، ومعاصروه ، بالبناءات الهندسيّة بواسطة القطوع المخروطيّة : بناء المُوَسِّطَين وتثليث الزاوية تحديداً . ولجأ علماء الفلك الرياضيّون ، من جهتهم ، كالفرغاني مثلًا ، إلى القطوع المخروطيّة في دراسة الإسقاطات ، بهدف تقديم نظريّة صلبة في شكل الأسطرلاب .
وقد يجوز الاعتقاد أنّ المثل الذي قَدّمته ترجمة " المخروطات " هو حالة خاصّة نظراً للمستوى الهندسي الرفيع لثابت بن قرّة . ولهذا المستوى أهمّيته ، دون شك ؛ إلّا أنّ الأساسي لا يكمن هنا . فثابت بن قرّة نفسه ترجم كتاباً في علم الحساب الفيثاغوري - الحديث ( هو بالتالي من مستوى أقلّ شأنا ) : " المقدّمة الحسابيّة " لنيقوماخوس الجرشي « 5 » . وهنا أيضاً ، تُشير كلّ الأدلّة إلى أنّ هذه الترجمة تندرج في إطار بحث هذا العالِم - المترجِم ؛ فانطلاقاً من تأكيدٍ لنيقوماخوس ، وصفي إن صحّ التعبير ، أعدّ ثابت بن قرّة النظريّة الأولى في الأعداد المتحابّة ، وصاغ مبرهنته الشهيرة « 6 » . وفي الواقع ، كوّن ثابت هذه النظريّة الجديدة ، انطلاقاً من نيقوماخوس ولكن أيضاً ، انطلاقاً من كتب علم الحساب التي يتضمّنها " أصول "
هامش
( 1 ) المرجع نفسه ، المجلّد الثالث .
( 2 ) المرجع نفسه ، المجلّد الأوّل ، ص 458 - 673 .
( 3 ) * أي الحسن بن موسى ( المُترجِم ) .
( 4 ) المرجع نفسه ، المجلّد الأوّل .
( 5 ) نيقوماخوس الجاراسيني : " المدخل إلى علم العدد " ، تحقيق و . كوتشW . Kutsch (بيروت ، 1958 ) .
( 6 ) ف . ويبك ،F . Wخpcke :"Notice sur une theorie ajoutee par Thعbit Ben Qorrah a larithmetique speculative des grecs", Journal Asiatique , IV , 2 ( 1852 ) , pp . 420 - 429 .