بالمُختصر ، شكّلت الإسكندريّة وبيزنطية ، كما غيرها من المدن الهلِّنستيّة « 1 » ، بالنسبة إلى المدينة العلميّة الجديدة « 2 » ، مكتبة " نائمة " ، غنيّة بالمخطوطات من العصور القديمة والعصور القديمة المتأخِّرة . كلّ الشواهد التاريخيّة تذهب في هذا الاتّجاه « 3 » . إلّا أنّ غياب الاستمراريّة على هذا المستوى يثير تساؤلين مرتبطين ببعضهما شديد الارتباط ، يهمّنا هنا واحدٌ فقط منهما : كيف يمكن فهم التجديد الحاصل ، إذا ما قفزنا فوق العصور ، للعودة إلى أبولونيوس وأرسطو ، مثلًا ؟ ما هي الروابط بين النقل من الإرث اليوناني ، وتحديداً بين الترجمة ، وبين هذه النهضة ؟ فلن تأخذ مسألة الترجمة كامل معناها إلّا على ضوء هذه النهضة العلميّة والفلسفيّة . وتبدو إقامة هذه الروابط ، الوسيلة الأنجع لفهم مسألة الترجمة .
سَلَكَ نقل الإرث اليوناني إلى العربيّة أساساً ( ولكن لا حصراً البتّة ) ، طريقين مترافقين ، وإن تفاوتا في الأهميّة واختلفا من حيث الطبيعة .
الطريق الأوّل ، تندر حتى الساعة الدراسات حوله ، رغم معرفة مؤرّخي المجتمع والثقافة به ؛ وهو الذي أتينا على ذكره فيما سبق من سطور ، طريق نقل المهن والأدوات التقنيّة والمؤسّسات ؛ نقصد بذلك نقل التقنيّات والتنظيمات والإيديولوجيّات التي كانت لدى مواطني وسكّان حوض البحر المتوسّط الناطق باليونانيّة ، لتأمين وجودهم المادي كما الاجتماعي . هذا الطريق هو طريق نقل ال - " ديوان " إلى العربيّة في عهد هشام بن عبد الملك ( 724 - 743 م ) « 4 » ؛ هذا هو الطريق الذي سلكته طرائق في الهندسة العمليّة وفي اللوجستيّة « 5 » وفي علومٍ كالطب والخيمياء والتنجيم والزراعة والفنون الحربيّة وهندسة العمارة . إلى هذه الفئة من الطرائق ، تنتمي أيضاً رسائل في المنطق الأوّلي واللاهوت ، يُحتاج إليها في التعليم الديني الذي كان متَّبَعاً في أوساط الأديرة النسطوريّة واليعقوبيّة « 6 » . وهو الطريق الذي يُمكن وصفه بأنّه طبيعيّ ، إذ سلكته الشعوب التي غمرتها الحضارة الهللينيّة طيلة عشرة قرون . هذا الطريق شهد أيضاً ترجمات لنصوص علميّة ، كما سنبيّن لاحقاً .
الطريق الثاني ، الأقلّ انتشاراً ولكن المعروف بشكل أفضل ، هو طريق الترجمة العالِمة ، ترجمة الكتابات الفلسفيّة والعلميّة من العصور القديمة والعصور القديمة المتأخّرة . إنّ هذا الطريق ، باتساعه ، يتميّز عن كلِّ ما سبقه في التاريخ فيما يخص الترجمة ، بما في ذلك الترجمات التي حصلت في الدوائر اللاتينيّة والسريانيّة « 7 » .
ومن غير الواقعي الاعتقاد أنّ هذين المسارين كانا مُحكَمَيْ الإنغلاق أو أنّهما كانا الطريقين الوحيدين . فهناك مؤشّرات عديدة تُقنع بالعكس ، وما من شكّ بأنّ الأبحاث التي ستجري في المستقبل ، ستكشف عن مسالك وسيطة بينهما ، تساعد على الإحاطة بهذه الظاهرة الاجتماعيّة التي هي ظاهرة نقل الإرث المعرفي والترجمة . يكفينا في الوقت الراهن أن نُبرِزَ سِمةَ عامّةً لا جدل فيها ، من سمات هذه
هامش
( 1 ) أي مدُن الحضارة اليونانيّة المتأخِّرة ( المُترجِم ) .
( 2 ) أي المجتمع الثقافي الإسلامي في بدايته ( المترجِم ) .
( 3 ) ر . راشد ،R . Rashed : Les Mathematiques infinitesimales du IXe au XIe siecle . Vol . I : Fondateurs et commentateurs : BanM sع, Thعbit ibn Qurra , Ibn Sinعn , al - Khعzin , al - Q hگ, Ibn al - Samh , Ibn H d ( London , al - Furqعn Islamic Heritage Foundation , 1996 ) , p . 142 .أنظر كذلك تامارا م . غرين ،Tamara M . Green : The City of the Moon ( Leiden , 1992 ) .إنّ وصف المسعودي في " مروج الذهب " ، يظهر أنّ آثار الهيللينستيّة في حرّان حوالي القرن الثالث للهجرة هي دينيّة بشكل أساساي . راجع :Mur j al - dhahab , ed . C . Barbier de Meynard et M . Pavet de Courteille , revue et corrigee par Charles Pellatمنشورات الجامعة اللبنانيّة ، قسم الدراسات التاريخيّةXI (بيروت ، 1966 ) ، المجلّد الثاني ، الفقرات 1389 - 1398 ، الصفحات 391 - 396 .
( 4 ) النديم : " الفهرست " ، ص . 303 .
( 5 ) أي الحساب العملي ( المترجِم ) .
( 6 ) نستطيع الاستناد إلى أحد الوجوه الرمزيّة ، البطريرك تيموثاوس ، الذي أسهم في ترجمة مؤلّف ال -Topiquesلأرسطو من السريانيّة إلى العربيّة ، بناءً على طلب الخليفة المهدي . أنظر س . ب . بروك ،S . P . Brock :"Two letters of the Patriarch Timothy from the Late Eighth Century on Translations from Greek", Arabic Sciences and Philosophy 9 ( 1999 ) , pp . 233 - 246 .أنظر أيضاً ج . فان إس ،J . van Ess : Theologie und Gesellschaft im 2 . und 3 . Jahrhundert Hidschra . Eine Geschichte des religisen Denkens im fr hen Islam , Bd . III , Berlin / New York , 1992 , pp . 22 - 28 .( 7 ) ه - . هوغونّار - روش ،H . Hugonnard - Roche :"Les traductions du grec en syriaque et du syriaque en arabe"in J . Hamesse et M . Fattori ( eds ) . , Rencontres de cultures dans la philosophie medievale ( Louvain - la - Neuve , 1990 ) , pp . 131 - 147 .