التي تخفي الغابة . ومؤخّراً ، سعت بعض الأبحاث المخصّصة لهذه الظاهرة ، إلى تصويب الرؤية « 1 » . وهذا التصويب هو ما سنعمل جاهدين على تقديمه ومتابعته في ما يلي من مقالنا هذا .
. النقل والترجمة : طرح المسألة .
1 . في سبيل مقاربة جديدة .
يبدو ممّا سبق أنّه من المُلِحّ التخلّي عن مفهومٍ النقل والترجمة ، المهيمن والمنتَشِر بشكلٍ واسع . ولهذه الغاية لا بدّ من التذكير بواقعين أوّلِيَّين معروفين من الجميع .
الواقع الأوّل هو أنّ الدولة المسلمة امتدّت على الجزء الأكبر من العالم الهيللينستي . وبقيت بالتالي شعوب هذا العالَم هي نفسها ، ولكنّها غيّرت ، وبدرجات متفاوتة من الكثافة ، لغتها ودينها . هذه الشعوب كانت إذاً وارثة لمجموعة من المهارات ومن الأدوات التقنيّة ومن المؤسّسات ؛ وكلّ ذلك يُشكِّل عناصر إرث اجتماعي واقتصادي مهمّ لتاريخ التقنيّات كما لتاريخ المؤسّسات . ولكنّ هذا الإرث ضمّ أيضاً عدداً هائلًا من النصوص في حالة من السُبات إن جاز التعبير ، وتعليماً ابتدائيّاً ، خصوصاً في اللاهوت ، والتنجيم والخيمياء والطب . الواقع الثاني هو انضمام إرثٍ آخر إلى هذا الإرث ، إرثٍ صادرٍ من آفاقَ أخرى ( فارسيّة وسنسكريتيّة وخاصة سريانيّة ) .
ويعني نسيان هاتين الحقيقتين إهمال ما أسهمت به الممارسات والمهارات والآلات التقنيّة والمؤسّسات في نَقل المعرفة . ولن يلبث هذا النسيان أن يختصر مسألة النقل إلى مسألة ترجمة لا غير ، وأن يختصر الإرث اليوناني إلى جزئه الكُتُبي ، فحسب . بمعنىً آخر ، يُعرِّضنا هذا النسيان ، إلى إغفال كلِّ ما يوُجد في ثنايا الوسائل التي ذكرناها من معارف وممارسات في الهندسة الأوّليّة ، والحساب الأوّلي ، والزراعة ، وتوازن السوائل ، والقياس ، إلخ ، . . . وهي فروع ستصبح لاحقاً جزءاً من علوم متكونة أو ، بكل بساطة ، من الهندسة العمليّة .
ولا شكّ أنّ هذا الإرث لا يستطيع أن يفسّر ، منفرداً ، انبثاق العلوم والفلسفة وتطوّرها في الثقافة الجديدة التي هي الثقافة الإسلاميّة ؛ لكنّه يبقى عنصراً مهمّاً من هذه الثقافة .
وليس من النادر ، من جهة أخرى ، أن تُقدَّمَ الترجمةُ كفِعلٍ ، على أنّها نشاطٌ غير ذي تأثير ، أو نشاطٌ مدرسي ، ذو نَفَسٍ واحِدٍ مهما كان ميدان ممارستها . هذا النوع من الترجمة هو عملٌ لمترجِم ( طبيبٍ في أغلب الأحيان ) ملمٍّ باليونانيّة ، ينقل ، بلا نظام وبحسب ما تمليه الظروف والصُدَف ، كتابات يونانيّة تعود إلى علوم مختلفة ، ليست بالتالي دائماً من مجال اختصاصه . بهذا المنظار تكون الترجمة من اليونانيّة عشوائيّةً ، غير خاضعة لأيّة ضرورة في اختيار الكتب أو في الإفادة من ترجمتها . بالمختصر ، إذا اكتفينا بهذه التصوّر للترجمة ، وهو تصوّر ضمنيّ في أغلب الأحيان ، يكون ما تمّ القيام به هو ترجمة ، على قدر المستطاع ، لما تيسَّر وجوده ؛ وتكون الترجمة مدرسيّة أيضاً ، من حيث أنّ التعليم هو الغاية الوحيدة للنصوص المترجَمة ؛ وتكون أخيراً ، بالنَفَس الواحد ذاته ، طالما أنّ عمل الترجمة لا يتطلّب في تلك الحالة سوى الإلمام باليونانيّة ( أو بالسريانيّة ) .
هامش
( 1 ) ر . راشد ،R . Rashed :"Problems of the Transmission of Greek Scientific Thought into Arabic : Examples from Mathematics and Optics", History of Science , XXVII ( 1989 ) , pp . 199 - 209 ;أُعيد نشره فيOptique et Mathematiques : Recherches sur lhistoire de la pensee scientifique en arabe , Variorum reprints ( Aldershot , 1992 ) , I . .أنظر كذلك د . غوتاس ،D . Gutas : Greek Thought , Arabic Culture . The Graeco - Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbعsid Society ( 2 nd - 4 th / 8 th - 10 th centuries ) , ( London - New - York , Routledge , 1998 ) ; J . L . Kraemer , Humanism in the Renaissance of Islam . The Cultural Revival during the Buyid Age , 2 nd ed . ( Leiden , E . J . Brill , 1992 ) .