منذ فجر التاريخ ، إلا محكومة لملوك وإلا خاضعة لقوانين أو تقاليد . فإن كان هذا الذي ذكروه سرداً لوقائع تاريخية ، إذن فيجب إقامة الدليل المقنع على ذلك ، وليس فيما ذكروه ما يصلح للبرهنة عليه . وإن كان فرضاً وتقديراً للحياة عند عدم وجود الحكومات والقوانين ، من حيث أن الأصل في كل فرد أن يحكم نفسه حينئذ ، ويكون غير مسؤول عن أي نظام أو قانون ، وما دام ذلك غير ممكن فلا بد من خضوع الفرد للقانون من أجل حماية نفسه وحريته وتملُّكِهِ . إذا كان هذا هو المقصود ، فما هذا التسلسل المنطقي الذي سلسلوا به الحوادث البشرية في الحالة الطبيعية كأنها قصة من القصص ، وما هذا الوصف الدقيق لتلك الحالة ، مع أن ذلك التسلسل وهذه الأوصاف لا توافق في كنهها أسلوب الفرض والتقدير . فربما يمكن للمفكر أن يفترض ببساطة ، أن الأصل في الإنسان أن يحكم نفسه ، ولكنه لا يستطيع أن يفترض حوادثاً جارية وقصصاً متسلسة إلا في عالم الخيال .
بالإضافة إلى أنه : متى وُجِدَت أو يمكن ان توجد مثل هذه الحالة الطبيعية ، هل هي في ابتداء تكوّن البشرية ؟ ويمكن أن يؤيد ذلك ، قول ( روسو ) : ( إن الحالة الطبيعية تغدو بعد تزايد عدد البشر حالة لا تطاق ، أم أنها حالة اجتماع جماعة من الناس ليكوّنوا بعد مرور السنين مجتمعاً جديداً ) .
فإن كان الأول فكيف اطَّلَع هؤلاء الفلاسفة على تلك الأزمنة السحيقة في القِدَم وعن طريق أي أثر أو كتاب تأريخي ، فإن مبدأ البشرية لم يُعرَف إلا من الكتب المقدسة وبخاصة القرآن الكريم . وهذه الكتب خالية من الإشارة إلى الحالة الطبيعية .
ولكنه على كل حال يمكن أن يشابه النظرية الإسلامية في تَكَوُّن البشرية حيث يذهب الإسلام إلى وجود آدم أبي البشر عليه السلام وأن نسله ازدادوا
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 64
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٤