أما الآية الثانية فهي أيضاً تدل تماماً على أنها من باب تشاور الأصدقاء ، والمداولة بينهم حول أمورهم الخاصة ، لا لأجل سنِّ القوانين حيث مدحهم الله عز وجل : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) « 1 » أي أن الفرد منهم لا يَبُتُّ بأمر من أموره إلا بعد مشاورة أصدقائه وإخوانه في الدين ، لأجل أن لا تزلَّ قدمه في حلِّ مشاكل حياته ، فيكون التشاور ، بذلك ، مستمراً بين المسلمين ، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال إجراء استفتاء شعبي لإقرار أو رفض قانون من القوانين .
بل إن هذه الآية الثانية قد فُسِّرَت بعكس ذلك ، فقد ذُكِرَ في تفسيرها أن معنى الآية : « يشاورون الإمام عليه السلام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم كما قال الله : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ) « 2 » » « 3 » .
والمشورة في الأمور المعاشية والحياتية الإعتيادية أمر مستحسن في الشريعة الإسلامية ، وهذا ما قد حثَّت عليه هاتان الآيتان ، وذلك لأن الفرد العادي قد يمكن أن لا يهتدي إلى الطريق الصحيح أو أن تخفى عنه جوانب من أموره ، فيستعين بعقول أخرى لأجل مساعدته في حلِّ مشاكله وتسوية أموره . وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة :
« من استبد برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها » « 4 »
وقال ( عليه أفضل التحية والسلام ) :
« والإستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه » « 5 »
. وقد ورد عن نبي الإسلام ( ص ) :
« ما من رجل يشاور أحداً إلا
هامش
( 1 ) - سورة الشورى : الآية 38
( 2 ) - سورة النساء : الآية 83
( 3 ) - تفسير الصافي للفيض الكاشاني ج 4 ، ص 378
( 4 ) - نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : ج 4 ، ص 41
( 5 ) - نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : ج 4 ، ص 48