واللذّات الغير المنقطعة والعطاء الغير المجذوذ ، فهو سعيد من أوّل أمره وإن كان في أيّام قلائل - لا نسبة بينها وبين الغير المتناهي - في تعب وشدّة ، وكذا في جانب الشقاوة .
ويمكن أن يكون المراد منه ما نبّهنا عليه من اختلاف النفوس في بدو النشو ؛ فإنّ النفس المفاضة على المادّة اللطيفة لطيفة نورانية تكون ممّن تحنّ إلى الخيرات وموجبات السعادة ، فهي سعيدة خيّرة ، وعكس ذلك ما يفاض على المادّة الكثيفة . وقد عرفت أنّ هذا الحنين والميل لا يخرج النفوس عن الاختيار والإرادة .
ولا ينافي ما ذكرناه ما عن « التوحيد » للشيخ الصدوق رحمه الله بسنده عن محمّد بن أبي عمير ، قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن معنى قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :
« الشقيّ من شقي في بطن امّه والسعيد من سعد في بطن امّه »
. فقال :
« الشقيّ من علم اللَّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل عمل الأشقياء ، وا لسعيد من علم اللَّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال السعداء »
. قلت له :
فما معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم :
« اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له »
فقال :
« إنّ اللَّه - عزّ وجلّ - خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه وذلك قوله - عزّ وجلّ - :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 »
فيسّر كلًاّ لما خلق له .
فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى » « 2 » .
فإنّ من علم اللَّه أنّه سيعمل عمل الأشقياء هو الذي ينتهي أمره إلى الشرّ وإلى
هامش
( 1 ) - الذاريات ( 51 ) : 56 .
( 2 ) - التوحيد ، الصدوق : 356 / 3 .