وهؤلاء في الحقيقة لا يتنعّمون بنعمة المحبّة ، وعبادتهم غير قائمة على أساس المحبّة ، وإنّما على أساس الخوف والخشية « 1 » ، وفي المقابل تعني محبّة اللَّه لهذه الطائفة توفيق العمل الصالح في الدنيا ، وجزاؤهم في الآخرة الجنّة .
ولكن في الوقت نفسه يوجد من بين عباد اللَّه ثلّة - وإن كانت قليلة عدداً - تحبّ اللَّه واقعاً وتطيعه لا عن خوفٍ من عذابه ، ولا طمعاً في جنّته ، وإنّما حبّاً له وتعلّقاً به . هذه الثلّة تقول في مناجاتها للَّه : «
سَيدي . . . أنَا من حُبِّكَ ظَمآنُ لا أروى
» ، وتقول أيضاً : «
مَا أطيَبَ طَعمَ حُبِّكَ
» ، وأيضاً : «
يا نِعَمي وَجَنَّتي
» ، وأيضاً : «
فَهَبني - يا إلهي وسَيِّدي ومَولايَ ورَبّي - صَبَرتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيفَ أصبرُ عَلى فراقكَ
» ، وما إلى ذلك .
ومن الطبيعيّ أنّ حبّ اللَّه لهذه الثلّة يتّخذ مفهوماً آخر ، والمعنى والمفهوم الحقيقي لهذين النوعين من المحبّة لا يدركه إلّامن بلغ تلك المرحلة ، وكلّ كلام يستهدف بيان المحبّة الحقيقيّة للمخلوق وتفسيرها تجاه الخالق وبالعكس يبقى ناقصاً غير وافٍ بالغرض ، وأفضل بيان يعكس آثار هذه المحبّة هو ما ورد في حديث « التقرّب بالنوافل » « 2 » .
قال الفقيه المحقّق الكبير الشيخ البهائي رحمه الله بشأن هذا الحديث : « وهذا الحديث ، صحيح السند وهو من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغييرٍ » . وقال في بيانه لمعنى جملة : « وإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ » :
« النوافل جميع الأعمال غير الواجبة ممّا يُفعل لوجه اللَّه سبحانه ، وأمّا تخصيصها بالصلاة المندوبة فعرف طارئ ، ومعنى محبّة اللَّه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقّي إلى عالم النور ، والانس باللَّه والوحشة ممّا سواه ، وصيرورة جميع الهموم همّاً واحداً . قال بعض العارفين : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما
هامش
( 1 ) . انظر : ص 210 ح 926 .
( 2 ) . انظر : ص 341 ح 1374 .