ولكن ، وللأسف فإنّ هذا الكتاب العظيم وهذه التوصية الربانية لشفاء جميع أسقام البشرية ، قد أضحى غريباً ومظلوماً حتى بين المسلمين أنفسهم ، إلى حدٍّ أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كما تصرح بذلك الآية الشريفة 30 من سورة الفرقان ، يشكو إلى اللَّه تعالى ويقول :
« يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً » .
فهل هذه الآية الشريفة ناظرة فقط إلى شكوى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من المسلمين في يوم القيامة فحسب ، أم أنّها تصدق أيضاً على حالة القرآن في هذه الدنيا أيضاً ؟
وبالرغم من أنّ بعض المفسرين اختاروا النظرية الأُولى وأنّ هذه الشكوى تختص بيوم القيامة ، ولكن في نظري أنّ الرأي الثاني لا يخلو من واقعية .
لو نظرنا إلى مهد نزول القرآن الكريم في شبه الجزيرة العربية ، والبلد الذي تطبع فيه معظم نسخ القرآن الكريم الموجودة في العالم ، وفيه مطابع ضخمة لهذا الغرض بحيث تبلغ سعتها بسعة مدينة من المدن ويعمل فيها آلاف العمّال والموظفين لطبع القرآن الكريم ، وفيه مدارس كثيرة لتحفيظ القرآن الكريم بحيث يتخرج من هذه المدارس والمراكز الدينية الكثير من الأشخاص الحافظين للقرآن الكريم ، البلد الذي تشاهد في جميع مساجده الكثيرة وخاصّة في مسجد النبي والمسجد الحرام ، رفوفاً مرتبة وكثيرة زاخرة بنسخ القرآن الجميلة وكل من يرد إليها يتناول قرآناً ويستضئ بتلاوته .
ولكن في هذا البلد نفسه ، ومع كل هذه المظاهر الجذابة ، عندما تنظر إلى برامج القنوات الاذاعية والتلفزيونية تراها مليئة بأشكال الفساد الأخلاقي وإشاعة المنكرات ، ترى النساء المتبرجات وأحياناً نصف عراة في برامجهم التلفزيونية ، وترى الأفلام الخلاعية الخارجية تكاد تكون هي السائدة في تلك الأجواء وخاصّة في الفضائيات الأجنبية ، وعندما تنظر من نافذة الفندق إلى سطوح المنازل
الأقسام القرآنية — صفحة 12
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٢