ير يحيى ، فأنشأ يقول : حدثني حبيبي جبرئيل ( عليه السلام ) عن الله تبارك وتعالى : أن في
جهنم جبلا يقال له السكران ، في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان ، يغضب
لغضب الرحمن تبارك وتعالى ، في ذلك الوادي جب قامته مائة عام ، في ذلك الجب
توابيت من نار ، في تلك التوابيت صناديق من نار ، وثياب من نار ، وسلاسل من نار ،
وأغلال من نار ، فرفع يحيى ( عليه السلام ) رأسه فقال : وا غفلتاه من السكران ، ثم أقبل هائما
على وجهه ، فقام زكريا ( عليه السلام ) من مجلسه فدخل على أم يحيى ، فقال لها : يا أم
يحيى ، قومي فاطلبي يحيى ، فإني قد تخوفت أن لا نراه إلا وقد ذاق الموت .
فقامت فخرجت في طلبه حتى مرت بفتيان من بني إسرائيل ، فقالوا لها : يا أم
يحيى ، أين تريدين ؟ قالت : أريد أن أطلب ولدي يحيى ، ذكرت النار بين يديه فهام
على وجهه ، فمضت أم يحيى والفتية معها حتى مرت براعي غنم ، فقالت له : يا راعي ،
هل رأيت شابا من صفته كذا وكذا ؟ فقال لها : لعلك تطلبين يحيى بن زكريا ؟ قالت : نعم ، ذاك ولدي ، ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه ، فقال : إني تركته الساعة على
عقبة ثنية كذا وكذا ، ناقعا قدميه في الماء رافعا بصره إلى السماء ، يقول : وعزتك
مولاي ، لا ذقت بارد الشراب حتى أنظر إلى منزلتي منك .
وأقبلت أمه ، فلما رأته أم يحيى دنت منه ، فأخذت برأسه فوضعته بين ثدييها ،
وهي تناشده بالله أن ينطلق معها إلى المنزل ، فانطلق معها حتى أتى المنزل ، فقالت له
أم يحيى : هل لك أن تخلع مدرعة الشعر وتلبس مدرعة الصوف ، فإنه ألين ؟ ففعل ،
وطبخ له عدس ، فأكل واستوفى ونام ، فذهب به النوم فلم يقم لصلاته ، فنودي في
منامه : يا يحيى بن زكريا ، أردت دارا خيرا من داري وجوارا خيرا من جواري !
فاستيقظ فقام فقال : يا رب أقلني عثرتي ، إلهي فوعزتك لا استظل بظل سوى بيت
المقدس . وقال لامه : ناوليني مدرعة الشعر ، فقد علمت أنكما ستورداني المهالك .
فتقدمت أمه فدفعت إليه المدرعة وتعلقت به فقال لها زكريا : يا أم يحيى ، دعيه فإن
ولدي قد كشف له عن قناع قلبه ، ولن ينتفع بالعيش .
فقام يحيى فلبس مدرعته ، ووضع البرنس على رأسه ، ثم أتى بيت المقدس ،
الأمالي — صفحة 82
مساهمون: الشيخ الصدوق
ص٨٢