. . . . . . . . . .
شرح
وقد ظهر جواب هذا الوجه مما ذكرناه في الوجه السابق ، من أن تعذر الامتثال انما يتحقق فيما لو التزمنا بالسّراية المطلقة ، لا ما إذا خصصناها بالواسطة الأولى أو بالمائعات دون الجوامد ، وكذا الحال في مخالفة السيرة .
وربما يقال : بان عدم الاجتناب - مع الالتزام بالنجاسة - انما هو لأجل أدلة نفي الحرج ، لأن في الاجتناب عن جميع ما في البلد أو جميع ما في أيدي المسلمين حرجا عظيما فيرتفع التكليف بالاجتناب وان كان نجسا ، إذ لا مانع من الالتزام بكون ما في أيدينا نجسا معفوا عنه .
ويندفع : بأنه ان كان المراد الحرج الشخصي فلا بد من الالتزام بوجوب الاجتناب لمن لا يصيبه الحرج ، كما إذا كان مثريا متمكنا من تحصيل جميع لوازمه أو بعضها من الطاهر ، وفيما إذا كان في بيته من الدّواب ما يتمكن معه من تحصيل الدهن واللبن والحليب وغير ذلك وكان متمكنا أيضا من طبخ الخبز في بيته - مثلا - إلى غير ذلك من لوازمه في الإعاشة ، فلا بد من القول بوجوب الاجتناب على مثل هذا الشخص ، ولا يجوز له شراء ما في أسواق المسلمين واستعمالها فيما يشترط فيه الطهارة من الأكل والشرب ، وغيرهما بل لا بد من وجوب تطهير ما يشترى من السوق بمقدار لا يكون فيه حرج ، ولا أظن أن يلتزم به أحد . وان كان المراد الحرج النوعي وانه يكفي في ارتفاع التكليف عن الجميع حتى عمن لا يكون في حقه حرج كون الاجتناب حرجيا على الأغلب ، فيدفعه : ان الحكم بالنجاسة حينئذ يكون لغوا لعدم ترتب أي أثر عليه في هذا الحال لجواز الشرب والوضوء والغسل وغير ذلك مما يشترط فيه الطهارة من الماء النجس ، والنجاسة التي لا يترتب عليها أثر لا فائدة في جعلها فهذا دليل على عدم الحكم بالتنجيس لا على عدم ترتب الأثر عليه .