يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب : التقى الجمعان ، وتطاعن الفريقان ، واشتد القتال ، وحمي النضال ، وما جرى هذا المجرى .
والمذهب عندي في ذلك ما أذكره ، وهو أن فهم العامة ليس شرطا معتبرا في اختيار الكلام ؛ لأنه لو كان شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام الألفاظ العامية المبتذلة عندهم ؛ ليكون ذلك أقرب إلى فهمهم ؛ لأن العلة في اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه فكذلك تجعل تلك العلة بعينها في اختيار المبتذل من الكلام ؛ فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم إياه ، وهذا شيء مدفوع ، وأما الذي يجب توخّيه واعتماده فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني ، بحيث لا تزيد هذه على هذه ، مع الإيضاح والإبانة ، وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه ؛ فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون ذلك نقصا في استنارته ، وإنما النقص في بصر الأعمى حيث لم يستطع النظر إليه :
عليّ نحت القوافي من معادنها * وما عليّ بأن لا تفهم البقر
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من الكلام على الإيجاز ، وحدّه وأقسامه ، ونوضح ذلك إيضاحا جليا ، واللّه الموفق للصواب .
فنقول : حدّ الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه ، والتطويل هو ضد ذلك ، وهو أن يدلّ المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه ، كقول الهجير السّلولي من أبيات الحماسة « 1 » :
طلوع الثّنايا بالمطايا وسابق * إلى غاية من يبتدرها يقدّم « 2 »
هامش
( 1 ) من كلمة له رواها أبو تمام في حماسته وأولها قوله :إنّ ابن عمّي لابن زيد ، وإنّه * لبلّال أيدي جلّة الشّول بالدّم( انظر شرح التبريزي : 4 - 161 ) .
( 2 ) « طلوع الثنايا » أراد أنه يسمو إلى المكارم لأنه بعيد الهمة « يبتدرها » يخف إليها ويسبق غيره إلى بلوغها « يقدم » يجعل له السبق والغلب على أقرانه .