فكأنّها نتجت قياما تحتهم * وكأنّهم ولدوا على صهواتها
وبين القولين كما بين السماء والأرض ؛ فإنه يقال : ليس للأرض إلى السماء نسبة محسوسة ، وكذلك يقال هاهنا أيضا ؛ فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول والضعف ، فكذلك في قول أبي الطيب من العلو والقوة .
وربما ظن بعض الجهال أن قول الشماخ :
إذا بلّغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين
وقول أبي نواس :
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا * فظهورهنّ على الرّجال حرام
من هذا القبيل الذي هو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة ، وليس كذلك ؛ فإن قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة هو أن يؤخذ المعنى الواحد فيكسى عبارتين إحداهما قبيحة والأخرى حسنة ؛ فالحسن والقبح إنما يرجع إلى التعبير ، لا إلى المعنى نفسه ، وقول أبي نواس هو عكس قول الشماخ ، وقد تقدم مثل ذلك فيما مضى من ضروب السرقات ؛ ألا ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي وقول الشريف الرضي ؛ فقال أبو الطيب :
إنّي على شغفي بما في خمرها * لأعفّ عمّا في سراويلاتها
وقول الشريف الرضي :
أحنّ إلي ما تضمن الخمر والحلى * وأصدف عمّا في ضمان المآزر
فالمعنى واحد ، والعبارة مختلفة في الحسن والقبح .
وهذه السرقات - وهي ستة عشر نوعا - لا يكاد يخرج عنها شيء ، وإذا أنصف الناظر في الذي أتيت به هاهنا علم أني قد ذكرت ما لم يذكره غيري ، وأنا أسأل اللّه التوفيق لأن أكون لفضله شكورا ، وألا أكون مختالا فخورا .
وإذ فرغت من تصنيف هذا الكتاب ، وحررت القول في تفصيل أقسام