ولو أنّي استطعت سكرت سكرا * عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماء : ما هذا عجيب * بم استوجبته يا ليت شعري « 1 »
فقلت له : لأنّك كلّ يوم * تمرّ على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه ، وذاك شيء * يضيق عن احتمالك فيه صبري
وما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرقّ ولا أعذب ولا أحلى من هذا اللفظ ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات .
ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة ، وفات من تقدّمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع ، بل قد تقدم أولئك إلى هذا الأسلوب ، وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون ، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه ؟ وكيف لا وهم أهله ، ومنهم علم ، وعنهم أخذ ؟
فمن ذلك ما جاء للفرزدق ، وهو « 2 » :
وركب كأنّ الرّيح تطلب عندهم * لها ترة من جذبها بالعصائب « 3 »
سروا يخبطون اللّيل وهي تلفّهم * إلى شعب الأكوار من كلّ جانب « 4 »
هامش
( 1 ) في معاهد التنصيص « فقال الماء قل لي كل هذا - الخ » .
( 2 ) هذه الأبيات الثلاثة وردت كما هنا في معاهد التنصيص ( ص 628 بولاق ) وقد وردت في الديوان ضمن ستة أبيات ، ومما في الديوان زيادة على ما هنا بيت يقع بين أول هذه الأبيات وثانيها ، وهو قوله :يعضّون أطراف العصيّ كأنّها * تخرّم بالأطراف شوك العقاربثم بعد هذه الأبيات قوله :إلى نار ضرّاب العراقيب لم يزل * له من ذبابي سيفه خير حالب
تدرّ به الأنماء في ليلة الصّبا * وتنتفخ اللّبّات عند التّرائب( 3 ) وقع في ا ، ب ، ج « تطلب عندها لها قوة » وهو تحريف ، وتصويبه عن الديوان ومعاهد التنصيص .
( 4 ) في ا ، ب ، ج « سروا يخطبون » وهو تحريف ، وتصويبه عن الديوان ، وفي الأغاني « سروا يركبون الليل » وفي الديوان « على شعب الأكوار » .