تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
تجزم ، لما اختل من فهم ذلك شيء ، وكذلك الشرط لو قلت : إن تقوم أقوم ، ولم تجزم ، لكان المعنى مفهوما ، والفضلات كلها تجري هذا المجرى ، كالحال والتمييز والاستثناء ، فإذا قلت : جاء زيد راكب ، وما في السماء قدر راحة سحاب ، وقام القوم إلا زيد ، فلزمت السكون في ذلك كله ، ولم تبين إعرابا ؛ لما توقّف الفهم على نصب الراكب والسحاب ، ولا على نصب زيد ، وهكذا يقال في المجرورات ، وفي المفعول فيه ، والمفعول له ، والمفعول معه ، وفي المبتدأ والخبر ، وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها . لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيّده ، وإنما يقع ذلك في الذي تدل صيغته الواحدة على معان مختلفة ، ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول : اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة كتقديم المفعول على الفاعل ؛ فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما من الآخر وإلا أشكل الأمر كقولك : ضرب زيد عمرو ، ويكون زيد هو المضروب ؛ فإنك إذا لم تنصب زيدا وترفع عمرا ، وإلا لا يفهم ما أردت ؛ وعلى هذا ورد قوله تعالى :
إنما يخشى الله من عباده العلماء
. وكذلك لو قال قائل : ما أحسن زيد ، ولم يبين الإعراب في ذلك ، لما علمنا غرضه منه ؛ إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنة ، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن ، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه ، ولو بيّن الإعراب في ذلك فقال : ما أحسن زيدا ، وما أحسن زيد ، وما أحسن زيد ؛ علمنا غرضه ، وفهمنا مغزى كلامه ؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب ؛ فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو ؛ إذ كان ضابطا لمعاني الكلام ، حافظا لها من الاختلاف . وأول من تكلم في النحو أبو الأسود الدّؤلي ، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له : يا أبت ما أشدّ الحر ، متعجبة ، ورفعت أشد ، فظنها مستفهمة ، فقال : شهر ناجر ؛ فقالت : يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك ! فأتى عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ذهبت لغة العرب ،