تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل آل طوق القطيفي — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
فالإنسان دائماً أبداً ؛ إمّا مناجٍ ربّه ، أو نفسه الأمّارة والشيطان ، أو الخلق في كلّ طبقة من درج وجوده ، بدءاً وعوداً ، إلَّا إنه في كلّ مقام وصقع ينطق بلسان سكَّانه ولغتهم ، لا يسكت عنه حتّى ينتقل منه ويسافر إلى غيره بعد استعداده لمعرفة لسانهم والنطق بلغتهم ، فيكون له لسان من نوع ألسنتهم ، ونطق يشبه نطقهم ، ويعرف لغتهم . فالحقيقة الإنسانية بما هي إنسانية قد علمت الأسماء كلَّها ، فهو أبداً ناطق [ بلغة ( 1 ) ] صامت عن أخرى ، فلو سكت لسانه اللحمي فهو ناطق بلسانه الفكري أو الوهمي . وهكذا في رتب وجوده وكمالاته وحواسه ، حتّى ربّما كان متكلَّماً بحواسّه الظاهرة بما يناسب كلًا منها من النطق واللسان . فكلَّه ناطق ؛ إمّا بالفعل أو القوّة القريبة أو البعيدة ، فليس في جميع الموجودات من هو كذلك غيره ، وإن لم يخل شيء منها من شيء من فاضل كمالاته ؛ إذ ليس من صنع الحي القيّوم موات من كلّ وجه ؛ لأنه كالغيث . على أن الفرد الكامل من الإنسان ناطق أبداً بكلّ لسان بالفعل . وقد ثبت بالنص ( 2 ) والبرهان أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقرأ ويكتب بكلّ لسان كليّة كاملة شاملة ، [ وكلَّما ( 3 ) ] نطق سواه بلسان صمَت عن آخر . وحقيقة العزل أن تصمت عن كلّ ما سوى الله لله ، ولا تنطق إلَّا عن الله مخلصاً . فظهر بهذا أن الناطقية فصل الإنسان ، فإن أراد أهل اللسان والميزان بإدراك الكليات : هذا فنعم ما قالوا ، وإلَّا ورد عليهم ما ذكرناه . والظاهر أنّهم إنّما أرادوا أن الإنسان امتاز وتشخّص في أصل وجوده بقابلية إدراك جميع الكليّات ، حتّى كلَّي نفسه ف - « من عرف نفسه عرف ربّه ( 4 ) » وليس من هو بهذه المنزلة سواه ، فلا نقض ولا منافاة ، فتأمّل ، وأحسن كما أحسن الله إليك بنطقك ، والله العالم .
هامش
( 1 ) في المخطوط : ( بلغت ) . ( 2 ) بصائر الدرجات : 225 227 . ( 3 ) في المخطوط : ( وكلمن ) . ( 4 ) بحار الأنوار 58 : 99 .