ذلك أن مقدمات القياس البرهاني يقينية ومباشرة ، ولذا كان هذا القياس علميا .
على حين أن مقدمات القياس الجدلي ليست يقينية ولا مباشرة ، بل « راجحة » ، أي ذائعة مشهورة يقبلها كل الناس ، أو معظمهم ، أو الحكماء منهم .
أما القياس الممارى فمقدماته راجحة في الظاهر لا في الحقيقة ، فالفرق بينه وبين الجدلي هو فرق ما بين الظاهر والحقيقة ، بين الباطل والحق .
ومع أن الجدل ليست له منزلة العلم اليقيني ، إلا أنه مطلب ليس عبثا لا طائل وراءه ، كالحال في المراء ، أو الجدل لمجرد الجدل . وقد حدد أرسطو للجدل فوائد ثلاث :
( 1 ) الارتياض .
( 2 ) الدربة على جدال الخصوم .
( 3 ) النفع في العلوم .
وقد أفاض أرسطو في بيان الفائدتين الأولى والثانية ، ولكنه لم يوضح تماما كيف يعين الجدل في طلب العلوم . فهو يقول إنه يكسبنا القدرة على مناقشة ما يؤيد الدعوى أو يعارضها ، فنتمكن بعد ذلك من التمييز بين الحق والباطل .
وأيضا فلا سبيل إلى معرفة مبادئ العلوم إلا بأخذها من الآراء المشهورة لدى العلماء . وهذا يناقض ما قرره في كتاب « البرهان » من أن الاستقراء أحد الطرق الموصلة إلى مبادئ العلوم ، وأن طريقها الآخر هو الأوليات التي تحصل في العقل بالفطرة .
الشفاء ( المنطق ) — صفحة تصدير 14
مساهمون: أبو علي سينا
صتصدير ١٤