لم يكن ابن سينا أول من قال في العالم العربي بهذا الوجود الثلاثي ، فقد سبقه إليه فيما يظهر يحيى بن عدي المترجم اليعقوبي والمنطقي المشهور الذي توفى قبل مولده ببضع سنين « 1 » . وتعزى إليه رسالة عنوانها : « في الموجودات الثلاثة الإلهى والطبيعي والمنطقي » ؛ وفي العنوان ، وإن لم تصلنا هذه الرسالة ، ما يؤذن بأنها ترتبط بنظرية الوجود الثلاثي السابقة « 2 » . ولعله أخذها عن أستاذه الفارابي الذي يعرضها عرضا يلتقى مع ما قال به ابن سينا . فيجيب عن سؤال وجه إليه عن كيفية وجود الكليات قائلا إنها موجودة وجودا ثانويا في الأشخاص ، ولذا سميت الجواهر الثواني ، وموجودة أيضا في ذاتها من حيث إنها قائمة باقية والأشخاص ذاهبة مضمحلة « 3 » . ويضيف إلى هذا أنها توجد في الذهن بعد أن تصبح معقولات جردت من الأفراد واستخلصت منها « 4 » .
واضح أن هذا الوجود الثلاثي ضرب من التوفيق الذي امتازت به الفلسفة الإسلامية ، فالكلي الأزلي القائم بذاته الموجود في العقل الفعّال شبيه كل الشبه بمثل أفلاطون ، والكلى الملحوظ في أفراده والمستخلص في الذهن ، ليس شيئا آخر سوى نظرية التجريد الأرسطية . وعلى هذا نخطئ إن قلنا مع مونك إن فلاسفة الإسلام لا يمكن أن يكونوا إلا اسميين ، أو قلنا مع كارا دىفو إنهم واقعيون « 5 » .
ذلك لأنهم في الحقيقة جمعوا بين الاسمية والواقعية ، بين الأرسطية والأفلاطونية ، على نحو ما صنع رجال مدرسة الإسكندرية « 6 » . والكليات عندهم من حيث اكتسابها مستمدة من الأشخاص والعالم الحسى ، ومن حيث أصلها ومنشؤها موجودة أزلا في العقل الفعّال .
هامش
( 1 ) توفى يحيى هذا سنة 364 ه ، قبل ميلاد ابن سينا بست سنوات .
( 2 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 363 ؛Perier , Yahya b . Adi . p . 96 .
( 3 ) الفارابي ، الثمرة المرضية ، ص 87 - 89 .
( 4 )Madkour , La place d' Al - Farabi , p . 139 - 146 .Munk , Melanges , Paris , 1927 , p . 327 ; Carra de Vaux , Aflatun , art
( 5 )cit . p . 179 .
( 6 )Vacherot , Hist . crit . de l Ecole d Alex .