بين مؤلفات الشباب أو الكهولة ، وأنه لم يفرغ منه إلا في العقد الخامس من عمره ، فليس ثمة مراحل تفكير منفصلة أو متباينة . وإذا كان " كتاب الإشارات " ، وهو آخر مؤلفاته ، قد امتاز بقسمه الصوفي ، فإن هذا القسم إنما يقوم على دعائم من نظريتى النبوّة والعقل القدسي اللتين عنى بهما " الشفاء " « 1 » .
على أن تصوف ابن سينا أقدم من الكتابين معا .
ونحن لا ننكر أن تفكير العالم أو الفيلسوف في نشاط مستمر ، ولكن ليس بلازم أن تؤدى هذه الحركة دائما إلى انقلاب أو تطور يهدم ما تقرر من قبل .
وابن سينا بوجه خاص من بين أولئك المفكرين الذين استقرت مبادئ فلسفتهم في سن مبكرة ، ولم يطرأ عليها فيما بعد تغيير يذكر . ولا أدل على هذا مما يحكيه في ترجمته لنفسه ، فيقول : « فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمرى فرغت من هذه العلوم كلها ، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ، ولكنه اليوم معي أنضج ، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شئ « 2 » » .
8 - شرحه وترجمته :
لئن كان الزمن لم يفسح لابن سينا أن يشرح " الشفاء " كما وعد ، فقد اضطلع بهذا باحثون آخرون « 3 » . لا سيما والاختصار والتلخيص ووضع المتون والرسائل من جانب ، أو التوضيح والتعليق وتأليف الشروح والحواشى من جانب آخر ، كانت المنهج السائد في الدراسات الإسلامية منذ القرن الخامس الهجري . وقد تولى شرح " الشفاء " كثيرون ، نخص بالذكر منهم صدر الدين الشيرازي المتوفى في منتصف القرن الحادي عشر للهجرة ، والذي
هامش
( 1 ) ابن سينا ، الشفاء ، ج 1 ، ص 258 ، ج 2 ، ص 277 .
( 2 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 416 . عاد ابن سينا إلى المعنى نفسه ، أكده في منطق المشرقيين ، ص 3 .
( 3 ) ص ( 19 ) .