ضروبا من البرهنة لا تتم في يسر إلا عن طريقهما « 1 » ، فيذكرنا بما قاله لاشيليه أخيرا عن أشكال القياس الثلاثة ووظيفة كل منها « 2 » . ويفتن في البرهنة على وجود النفس ، ويقيم عليه أدلة عدة ، أخصها برهانه المشهور الذي سمى برهان الرجل الطائر ، وما أشد قربه من الكوجيتو الديكارتى « 3 » .
هذه ودقائق أخرى غيرها نجدها معروضة عرضا مفصلا في " الشفاء " ، في حين أنها قد لا تذكر في كتب ابن سينا الأخرى ، أو إن ذكرت ففي إشارة عابرة .
وبقدر ما نعلم ، نستطيع أن نقول إنه لا توجد فكرة من أفكار ابن سينا الفلسفية الأصيلة والمبتكرة إلا ولها في هذا الكتاب ذكر . ويقيننا أنه يوم أن تتداوله الأيدي ويقرأ في يسر ، سيزداد رأينا هذا ثبوتا وتأييدا . وكفى ما مضى من أخطاء منشؤها التعجل بالحكم على " الشفاء " دون اطلاع أو قراءة .
قد يقال إن فلسفة ابن سينا تطورت . وإذا صح أن " الشفاء " يعبر عنها ، فما ذاك إلا في مرحلة خاصة ، تلتها مراحل أخرى اعتنق فيها فيلسوفنا آراء ونظريات مغايرة « 4 » . إلا أنه سبق لنا أن بينا أن من الخطأ أن يعد " الشفاء "
هامش
( 1 ) بدوي ، أرسطو عند العرب ، ص 61 - 64 ؛Ibid . pp . 212 - 215 .
( 2 )J . Lachelier , Theorie du Syllogisme , dans Rev . philos . , 1876 , p . 485 ; Etudes sur le syllogisme , Paris . 907 , pp . 75 - 76 .
( 3 ) مدكور ، في الفلسفة الإسلامية ، ص 177 - 179 .
( 4 ) عرضت الآنسة جواشون لهذا التطور في أكثر من موضع :Goiohon , L' evolution philosophique d Avicernne , dans Rev . philos . Juillet - sept . 1948 ; Livre des directives et des remarques . Paris , 1950 , p . 5 et ; La personnalite d' Ibn Sina , dans Avicenne , Radio - Diffusion francaise , Paris 1951 .ولكنها لم تقدم له أمثلة بارزة ، ولم تقم عليه أدلة واضحة . والذي لا نزاع فيه أنا لسنا أمام فلسفتين متباينتين ، يمكن أن تسمى إحداهما فلسفة الشباب أو الكهولة ، والثانية فلسفة الشيخوخة ، أو بعبارة أخرى الفلسفة المشائية والفلسفة المشرقية .