ذكر ما صنعه بير محمد من حيلة عادت عليه بأفكاره الوبيلة لأن جدواها كانت قليلة
ولما عدم حوله ، أخذ في إعمال الحيلة ، فاستدعى عدة مضبوطة ، من الجلود المخطوطة ، الجيدة الدباغ ، المصبوغة بألوان الاصباغ ، ثم فصلها لبوسا ، لكل بوسا ، وسمر عليها المرايا المصقولة ، وبعض صفاح معمولة ، وموهها وأحكمها بالمسامير ، وأحضر من سوقة بلده رؤوس الجماهير ، واستكثر من الرعاع والهمج الجموع ، ثم أحضر تلك الدلاص والدروع ، ووزع على تلك الرؤوس والظهور هاتيك النطوع ، فصار كلما صارت الشمس بازغة ، أصعد إلى الاسوار وخارج البلد تلك الأسود ، وعليهم تلك الدروع السابغة ، فإذا رآهم الناظر من بعيد ، توهم رجالا ولم يعلم أنهم بندق العيد ، وإذا تراآى ذلك الهباء ، والخيثعور « 1 » الذي ملأ الفضاء كان
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
« 2 » واستمر على ذلك مدة ، يقاسي المعاناة ويعاني الشدة ، وكان الذي تعاطى هذا المكر الجلي ، دستور مملكته أعني بير علي ، ومع ذلك كله لم تنفعه هذه الحيلة ، وعادت عليه أفكاره الوخيمة ووساوسه الوبيلة ، وانكشف سره ، وانهتك ستره ، فضاق ذرعا وقصر منه باع المجال ، ومد بنقص عدده وعدده ، وزاده الدهر النكال .
ذكر اعتراف بير محمد أنه ظلم وطلبه الصلح وإلقائه السلم
فبسط بساط التضرع ، وطلب وسائط التشفع ، وعلم أنه
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ
« 3 » فناشد خليل سلطان الله والرحم ، وقال معنى ما قلت شعرا :
يعطى الكريم ولا يمل من العطا * والعفو شيمته إذا وقع الخطا
هامش
( 1 ) - لم أقف لها على معنى .
( 2 ) - سورة النور - الآية : 39 .
( 3 ) - سورة هود - الآية : 43 .