نظريّتين مختلفتين قديماً وحديثاً ، والسؤال المطروح هو : هل أنّ المعرفة تحصل بعد التجربة ، بمعنى أنّه ليست لدينا أيّة معرفة بمعزلٍ عن التجربة ؟ أم أنّ لدينا معارف فطريّة غير ناتجة عن التجربة ؟ !
فجون لوك وهو من الفلاسفة المحدثين يقول : إنّ كلَّ معارفنا تحصل عبر التجربة « 1 » . ولكنّنا أثبتنا في كتابنا أنّ الإنسان لمّا خلق كانت لديه معارف قبليّة بمعزلٍ عن التجربة ، من قبيل استحالة اجتماع الضدّين وارتفاع النقيضين . وهذه المعارف لا تحتاج إلى تجربة ، بل إنّ صدق التجربة يتوقّف عليها « 2 » .
فإذا ثبت أنّ للإنسان معارف بمعزل عن التجربة ، فلا يمكن القول بأنّ كليهما واحد . والقياس المنطقي هو ما لجأ إليه أرسطو ، والاستقراء هو ما لجأ جون لوك . وبذلك يثبت أنّ القياس الشرعي ليس له أيّ اعتبار عقلي » .
ردمان : « كلامك هذا معقولٌ جدّاً ، ولكن ما هي منزلة القياس لدى الشرع ؟ ! » .
السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « مدار جميع شريعتنا على القرآن الكريم ، والقرآن يقول :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
« 3 » ، فلو تيقّنت بأنّ الحكم الثابت لهذا الفرد ثابتٌ بعينه لذاك الفرد فاحكم عليهما بحكم واحد ، وإذا لم تتيقّن - كم هو مفروض القياس الفقهي - فلا تحكم » .
ردمان : « هل وسائل وأدلّة استنباطكم كلّها يقينيّة ؟ ! » .
السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « هذا موضوعٌ طويلٌ ووسيع ، ولا يمكن إتمامه في هذا الوقت المختصر . وأقول بشكل ملخّص : إنّ للاجتهاد ثلاث مراحل لا بدّ لكلّ مجتهدٍ من المرور عليها ، لأنّنا مخطّئون » .
ردمان : « ما معنى مخطّئ ؟ ! » .
السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « اختلافنا مع أهل السنّة قديم ، فإنّ أكثرهم مصوّبة ، ونحن مخطّئة .
وتفصيل هذا الإجمال أنّ الله تبارك وتعالى وضع جميع قوانين الشريعة ، ثمّ أمر العباد بأن يحصّلوا هذه القوانين ، وقد سمّى الإسلام هذا التحصيل ( اجتهاداً ) .
وإخواننا السنّة يقولون بأنّ الله تعالى لم يجعل قبل اجتهادنا قانوناً ، بل كلّما اجتهدنا جعل الله حسب اجتهادنا قانوناً في اللوح المحفوظ « 4 » .
ومن الواضح أنّ الخطأ غير ممكن على هذا القول ، فإنّ أحكام الله تابعة لآراء المجتهدين .
وأمّا على قولنا ، فمن الممكن لمؤدّى اجتهادنا أن يصيب القانون الثابت مسبقاً في اللوح المحفوظ ومن الممكن أن لا يصيب . ولهذا نحن مخطّئة وآراؤنا مختلفة وإن كان المجتهدون معذورين لسعيهم حسب الطاقة البشريّة » .
ردمان : « إنّنا سمعنا أنّ المجتهدين منكم لا يختلفون في الرأي ، فكيف تقولون إنّكم تختلفون ؟ ! » .
السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « هذه شائعة أشاعها مخالفونا . والسرُّ في هذا أنّ لديهم أربعة أئمّة ، وكلّ واحدٍ منهم
هامش
( 1 ) فلسفتنا : 135
( 2 ) فلسفتنا : 182 - 183
( 3 ) الإسراء : 36
( 4 ) انظر حول التخطئة والتصويب : دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 24 : 1 - 25 ، تحت عنوان ( شمول الحكم للعالم والجاهل ) .