وقامت في أنحاء العراق مظاهرات صاخبة ، فأصدرت رئاسة الوزراء أوامرها إلى السلطات الأمنيّة بقمع التظاهرات التي واجهتها السلطات الحكوميّة بمنتهى العنف والشدّة ، الأمر الذي أدّى إلى سقوط عددٍ كبيرٍ من الضحايا بين قتيل وجريح . كما أصدر الملك فيصل الثاني إرادةً ملكيّة بإعلان الأحكام العرفيّة بصورة مؤقّتة في جميع أنحاء العراق إلى حين صدور إرادة ملكيّة بإنهائها .
وكانت أشدّ المظاهرات عنفاً تلك التي خرجت في النجف الأشرف بتاريخ 23 / 11 / 1956 م ( 19 / ربيع الثاني / 1376 ه ) والتي شارك فيها رجال الدين . وقد ارتكبت الأجهزة الأمنيّة مجزرة دامية في المدينة راح ضحيّتها 114 أو 450 قتيلًا « 1 » . ومن جملة الشهداء أربعة شباب قضوا حملهم المتظاهرون على عربةٍ إلى دار السيّد محسن الحكيم وسط تظاهرة عارمة ووضعوا جثثهم أمام داره « 2 » ، وأضرب عن صلاة الجمعة « 3 » .
وقد استنكر هذه المجازر جملةٌ من العلماء ، فقد وجّه السيّد عبد الحسين شرف الدين برقيّةً إلى الملك فيصل الثاني رفض فيها سياسة حكومته :
وقوف العرب في صفٍّ والعراق في صف ، تناقضٌ صارخٌ مع رسالة الحسين وفيصل وغازي التي مضوا في سبيلها تقتيلًا وتشريداً .
وإنّني والله لأسمع عتبهم الأبوي المفجوع ترسله أرواحهم الزكيّة ، وألمح خيبة الأمل ترتسم على وجوههم النبويّة ، محتجّةً مع الملايين على رئيسٍ سفّاحي العراق ، واعتدائه على جدّك ومجدك في النجف الأشرف ، وإذلاله لشعبك الأبي في شتّى أنحاء مملكتك .
شعبك العظيم يدعوك للمجد العظيم ، فكن لشعبك يا ولدي كما كان لشعبه أخوك عبد الناصر ، وابن عمّك الحسين ، وأخرج السفّاح من دار الحكم ، دارِك ، تنفرج الأزمة التي تأخذ بخناق شعبك السجين ، ويتنفّس المسلمون والعرب الصعداء ! . .
أحيّيك بانتظار الفرج ، وأحيّي إخواني المجاهدين علماء حكماء ، وزعماء شرفاء ، وشعباً كريماً ، وجيشاً باسلًا
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
« 4 »
»
« 5 »
.
وكتب إليه الشيخ عبد الكريم الجزائري :
« بسم الله الرحمن الرحيم
جلالة الملك المعظّم .
هامش
( 1 ) حزب الدعوة الإسلاميّة : 47 - 48 ؛ وانظر للتفصيل : سنوات من تاريخ العراق . . النشاط السياسي المشترك لحزبي الاستقلال والوطني الديموقراطي في العراق : 309 - 327 ؛ الفكر السياسي المعاصر في العراق : 314 - 328
( 2 ) مساهمة النجف في التصدّي للعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 كما يرويها شاهد عيان ، الأستاذ أحمد الحبّوبي ، مجلّة الموسم ، العدد ( 9 - 10 ) : 58 - 68
( 3 ) الإمام الحكيم . . لمحة موجزة عن مرجعيّته وجهاده : 20
( 4 ) آل عمران : 169
( 5 ) موسوعة الإمام شرف الدين ( المدخل ) 467 : 0 .