شيئاً لأنّني أنا نفسي رغم مطالعتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحياناً صعوبة في فهمها .
وبعد مدّة أسبوع واحد أعادها إليَّ وطلب غيرها ، وأضاف المدرّس قائلًا :
أحببتُ أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب ، وإذا به يدخل في شرحٍ الماركسيّة طولًا وعرضاً ، فأخذتُ عن شرحه لها كلَّ ما غمض عليّ معناه عند قراءتي لها « 1 » ، فعجبتُ لهذا الطفل المعجزة وهو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة ، وقد زاد في اطمئناني عندما راح يشرح لي أنّه كان يأتي على مناقشة كلّ رأي على حدة مناقشة العالم المتبحّر في العلم ، فاطمأننت بأنّه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقاً ، وأنّه كان يقرؤها كناقد لا كدارس لها .
وحدّثني عنه مدرّس اللغة « 2 » فقال : والله لولا الأنظمة والقوانين ولو كانت هناك حكومةٌ تقدّر النبوغ والكفاءة لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات ، وفتحت له أبواب الكليّات ليختار منها ما يشاء وكفيته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت . إنّ إلمامه بعلوم اللغة العربية يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه . وكم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجاً [ . . ] أحير جواباً ، فأضطرّ أن أُؤجل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر لئلّا أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلاميذي .
وقال هذا الشيء عينه مدرّس الدين ، وأضاف : إنّه يصلح أن يكون مدرّساً للدّين وأصوله .
وقال كذلك مدرّسو العلوم الأخرى مبدين دهشتهم وحيرتهم في نبوغ هذا الطفل ومستواه خائفين أن يقتله ذكاؤه .
كان أوّل من يدخل الصف وآخر من يخرج منه ، وكان كلّه إصغاء وانتباه إلى ما يقوله المُدرّس ، وكأنّ ما يتلى شيءٌ جديدٌ بالنسبة له ، وكأنّه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصف .
وما وجدته يوماً وقد ارتكبه الغرور أو طغى عليه العجب بنفسه ، أو تعالى على زملائه التلاميذ ممّا عنده من علم ومعرفة . وكان مؤدّباً جدّاً يحترم معلّميه وزملاءه ، ويفرض احترامه على الجميع .
وكثيراً ما كنّا نفتقده متغيّباً لشهرٍ أو حواليه من المدرسة ، ثمّ إذا به يحضر عند الامتحان فينال الدرجة العليا ، ولو كانت هناك درجة أعلى لاستحقّها بجدارة . وكنّا عند تغيّبه نستفهم من الإدارة عن السبب فيكون الجواب الذي اعتدناه : إنّه يحضر دروساً خاصّة تشغله عن حضور المدرسة .
كنّا نختاره وخاصّةً مدرّس الدروس الدينيّة في درس الصلاة إماماً يؤمّ زملاءه في الصلاة ، فكان والله جديراً بها يؤدّيها بخشوع العابد الزاهد المتوجّه إلى ربّه العليّ الكريم . وكان يُختار من بين طلّاب كلّ المدرسة لإلقاء القصائد والكلمات في الصحن الكاظمي الشريف منذ كان في الصف الثاني الابتدائي ، وذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة أن تنظّمه في كلّ عام .
وليس عجيباً على مثل هذا الطفل أن يستظهر قصيدةً تضمّ ثلاثين بيتاً أو أكثر ، أو كلمةً عن ظهر قلب خلال ربع ساعة ، بعدها يتلوها علينا بكلّ فصاحة متجنّباً اللحن حتّى إذا قُرئت له ملحونة .
كان شعلة ذكاء وقدوة أدب ، ومثالًا قويماً ونفساً مستقيمة . ما فاه والله بحياته في المدرسة بكلمة إلّا وبعثت في نفس سامعها النشوة والحبور ، وما التقت عيناه قطّ لفرط خجله مرّة عيني أحد مدرّسيه ، فهو لا
هامش
( 1 ) ذكر هذه المعلومة أيضاً السيّد نور الدين الإشكوري بتاريخ 11 / 3 / 2005 م -
( 2 ) يبدو أنّه الأستاذ علي الخليلي .