وإنّي على يقين أنّ تلك المشاهد العاطفيّة ، وغيرها من اللحظات المثيرة وما هو مشعر بالخطر منها كانت تأخذ من قلبه مأخذاً كبيراً لدرجة جعلته يتمنّى الموت أحياناً ، ولكنّه كان يقول : ( إنّ ذلك بعين الله تعالى ، إنّ الناس سبقونا إلى ما هو أعظم ممّا نحن فيه ) ، وكان يهوّن ممّا ألمّ به ذكر الشهيد السعيد السيّد قاسم شبّر - رحمه الله - ويقول :
( إنّه يعاني من التعذيب ما لم نعانِ نحن بمقدار عشره . . . ) .
ويذكر حصار الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - وجميع آل هاشم في شعب أبي طالب لا يظلّهم من أشعة الشمس شيء ، وهم يفقدون الماء والغذاء ، فيقول :
( كان ذلك من أجل الإسلام ، فلنكن امتداداً لهم ، وعلى خطّهم وهدفهم ) .
إنّ أحداً من أهله لم يشتكِ من المأساة ولم يتململ يوماً من الأيام ، ولكن ما طفح كان من مشاعر الابوّة والعطوفة الحانية التي يعنيها أمر أسرتها وأبنائها ، ويهولها ما يحدق بها من مخاطر ، ويحوطها من محن ، فيؤلمه ما يؤلمها ، ويسرّه ما يسرّها .
ومع ذلك كلّه صمّم على أن يستمرّ - هو ومن معه - على تحمّل هذه المأساة وتحويلها إلى قضيّة تحقّق للإسلام وللعمل الإسلامي أكبر قدر ممكن من الانتصار ، ومراراً سمعته يقول :
( إنّني مستعد لأن أبقى مع عائلتي محتجزاً مدى العمر ، أو اضحّي بنفسي وبهم ، إذا كان ذلك يحقّق للإسلام نصراً في العراق ) .
كان السيّد الشهيد - رحمه الله - يعتقد أنّ قضيّة الاحتجاز سوف تُستثمر من قِبَل المهتمّين بأمر العمل الإسلامي ، وكان يتوقّع أن يسمع أخباراً تسرّه ، فليس منطقيّاً أن يتقدّم القائد إلى الأمام ويبقى المقاتلون في مواضعهم ينظرون إلى أشلائه تُقطّع بأيدي أعدائه ، وليس من المتوقّع أن يُحتجز السيّد الشهيد - رحمه الله - وفي خارج العراق
شهيد الأمة وشاهدها — صفحة 179
مساهمون: الشيخ محمد رضا النعماني
ص١٧٩