المتساوِيَ الجانبَينِ يحتاجُ في ترجُّحِ أحدِ الجانِبَينِ إلى مرجّحٍ .
فإن قيلَ : إنّ المرجّحَ هوَ الفاعلُ مثلًا بإرادتهِ ، كما مرَّ في مثالِ الهاربِ من السبعِ .
أجيبَ : بأنَّ مرجعَهُ إلى القولِ الآتي ، وسيأتي بطلانُه .
وأمّا مثالُ الهاربِ مِنَ السبعِ فممنوعٌ ، بلِ الهاربُ المذكورُ على فرضِ التساوي من جميعِ الجهاتِ يقفُ في موضعهِ ، ولا يتحرّكُ أصلًا ؛ على أنَّ جوازَ ترجّحِ الممكنِ مِنْ غيرِ مرجّحٍ ينسدُّ بهِ طريقُ إثباتِ الصانعِ تعالى .
وأمّا قولُ القائلِ : « إنَّ الإرادةَ مرجّحةٌ بذاتها ، يتعيّنُ بها أحدُ الأفعالِ المتساويةِ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى مرجّحٍ آخرَ » ، ففيهِ : أنَّ الإرادةَ لو رجّحتِ الفعلَ فإنِّما ترجّحُه بتعلُّقها بهِ ، لكنَّ أصلَ تعلُّقها بأحدِ الأمورِ المتساويةِ الجهاتِ محالٌ .
ودعوى : أنَّ من خاصّةِ الإرادةِ ترجيحَ أحدِ الأفعالِ المتساويةِ ، لا محصّلَ لها ؛ لأنّها صفةٌ نفسانيّةٌ علميّةٌ ، لا تتحقّقُ إلّا مضافةً إلى متعلّقِها الذي رجّحَهُ العلمُ السابقُ لها ، فما لم يرجّحِ العلمُ السابقُ متعلّقَ الإرادةِ لم تتحقّقِ الإرادةُ حتّى يترجّحَ بها فعلٌ .
وأمّا قولُ مَن قالَ : « إنّه تعالى عالمٌ بجميعِ المعلوماتِ ، فما علمَ منها أنّه سيقعُ يفعلهُ ، وما علمَ منها أنّهُ لا يقعُ لا يفعلُه » ، وبعبارةٍ أخرى : « ما علمَ أنّه ممكنٌ فعلهُ ، دونَ المحالِ » ، ففيهِ : أنَّ الإمكانَ لازمُ الماهيّةِ ، والماهيّةُ متوقّفةٌ في انتزاعها على تحقّقِ الوجودِ ، ووجودُ الشيءِ متوقّفٌ على ترجيحِ المرجّحِ ، فالعلمُ بالإمكانِ متأخّرٌ عنِ المرجّحِ بمراتبَ ، فلا يكونُ مرجّحاً .
وأمّا قولُ من قالَ : « إنَّ أفعالُه تعالى غيرُ خاليةٍ عنِ المصالحِ وإن
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 125
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص١٢٥