وعلّته إمّا ممكنة مثله أو واجبة بالذات ، وعلى الثاني يثبت المطلوب ، وعلى الأوّل ينقل الكلام إلى علّته ، وهلمّ جرا ، فإمّا أن يدور أو يتسلسل وهما محالان ، أو ينتهي إلى علّة غير معلولة هي الواجب بالذات وهو المطلوب .
واعترض عليه [ 1 ] : بأنّه ليس بيانا برهانيّا مفيدا لليقين ، فإنّ البرهان إنّما يفيد اليقين إذا كان السلوك فيه من العلّة إلى المعلول ، وهو البرهان اللمّيّ [ 2 ] . وأمّا البرهان الإنّي المسلوك فيه من المعلول إلى العلّة فلا يفيد يقينا كما بيّن في المنطق .
ولمّا كان الواجب تعالى علّة لكلّ ما سواه غير معلول لشيء بوجه كان السلوك إلى إثبات وجوده - من أيّ شيء كان - سلوكا من المعلول إلى العلّة غير مفيد لليقين ، وقد سلك في هذا البيان من الموجود الممكن الّذي هو معلوله إلى إثبات وجوده [ 3 ] .
والجواب عنه [ 4 ] : أنّ برهان الإنّ لا ينحصر فيما يسلك فيه من المعلول إلى العلّة ، وهو لا يفيد اليقين ، بل ربّما يسلك فيه من بعض اللوازم العامّة الّتي للموجودات المطلقة [ 5 ] إلى بعض آخر [ 6 ] ، وهو يفيد اليقين ، كما بيّنه الشيخ في كتاب البرهان من منطق الشفاء [ 7 ] .
وقد سلك في البرهان السابق من حال لازمة لمفهوم موجود مّا [ 8 ] - وهي كونه مساوقا [ 9 ] للموجود من حيث هو موجود - إلى حال لازمة أخرى له ،
هامش
( 1 ) هذا الاعتراض تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار 6 : 27 .
( 2 ) والواجب تعالى ليس معلولا لشيء أصلا ، بل هو علّة لجميع ما عداه .
( 3 ) فالبرهان المذكور برهان إنّيّ غير مفيد لليقين .
( 4 ) كذا أجاب عنه المصنّف رحمه اللّه في تعليقته على الأسفار 6 : 67 . وقال المحقّق اللاهيجيّ في شوارق الإلهام : 498 : « وأيضا قالوا : من القياسات الآنيّة ما هو أقرب إلى اللمّ ، بل كاد أن يكون في مرتبته في الوثوق ، وهو ما يكون من اللوازم المنتزعة من حاقّ الملزوم وحقيقته من غير اعتبار أمر آخر على ما صرّح به الشيخ في الحكمة المشرقيّة » انتهى .
( 5 ) وهو كونها حقيقة ثابتة .
( 6 ) وهو كون بعضها واجبا بالذات .
( 7 ) راجع الفصل الثامن من المقالة الأولى من الفنّ الخامس من منطق الشفاء .
( 8 ) وفي النسخ : « لمفهوم وموجود مّا » والصحيح ما أثبتناه .
( 9 ) وفي النسخ : « وهو مساوق للموجود . . . » والصحيح ما أثبتناه .