قلت : الوجه في ذلك ما تقدّم في الأبحاث السابقة [ 1 ] أنّ كلّ نوع مجرّد منحصر في فرد ، ولازم ذلك أنّ سلسلة العقول لّتي يثبتها البرهان ويثبت استناد وجود المادّيّات والآثار المادّيّة إليها ، كلّ واحد من حلقاتها نوع منحصر في فرد ، وأنّ كثرتها كثرة طوليّة مترتّبة منتظمة من علل فاعلة آخذة من أوّل ما صدر منها من المبدأ الأوّل إلى أن ينتهي إلى أقرب العقول من المادّيّات والآثار المادّيّة ، فتعيّن استناد المادّيّات والآثار المادّيّة إلى ما هو أقرب العقول إليها ، وهو الّذي يسمّيه المشّاؤون ب « العقل الفعّال » [ 2 ] .
نعم ، الإشراقيّون منهم [ 3 ] أثبتوا وراء العقول الطوليّة ودونها عقولا عرضيّة هي أرباب الأنواع المادّيّة ، لكنّهم يرون وجود كلّ نوع بأفراده المادّيّة وكمالاتها مستندا إلى ربّ ذلك النوع ومثاله [ 4 ] .
ونظير البيان السابق الجاري في الصور العلميّة الكلّيّة يجري في الصور العلميّة الجزئيّة ، ويتبيّن به أنّ مفيض الصور العلميّة الجزئيّة جوهر مفارق مثاليّ ، فيه [ 5 ] جميع الصور الجزئيّة على نحو العلم الإجماليّ ، تتّحد به النفس على قدر ما لها من الاستعداد ، فيفيض عليها الصور المناسبة .
هامش
( 1 ) راجع الفصل السابع من المرحلة الخامسة .
( 2 ) راجع الفصل الخامس من المقالة الخامسة من الفنّ السادس من طبيعيّات الشفاء ، والفصلين الرابع والخامس من المقالة التاسعة من إلهيّات الشفاء ، والمباحث المشرقيّة 2 :
501 - 515 ، والتعليقات للشيخ الرئيس : 100 - 101 ، والنجاة : 273 - 278 ، والأسفار 3 :
461 - 465 و 7 : 258 - 281 .
وقال صدر المتألّهين في الأسفار 3 : 464 : « إنّ فعل هذا العقل المفارق في العقل الهيولانيّ شبيه فعل الشمس في الضوء الحاصل للبصر والمبصرات . فلذلك يسمّى بالعقل الفعّال » .
( 3 ) أي : الإشراقيّون من الفلاسفة .
( 4 ) راجع المطارحات : 455 - 459 ، وحكمة الإشراق : 143 - 144 ، وشرح حكمة الإشراق :
251 - 254 .
( 5 ) أي : في هذا الجوهر المفارق المثاليّ .