أن نرتاب في أنّ هناك وجودا ، ولا أن ننكر الواقعيّة مطلقا ، إلّا أن نكابر الحقّ فننكره أو نبدي الشكّ فيه ، وإن يكن شيء من ذلك فإنّما هو في اللفظ فحسب .
فلا يزال الواحد منّا وكذلك كلّ موجود يعيش بالعلم والشعور يرى نفسه موجودا واقعيّا ذا آثار واقعيّة ، ولا يمسّ شيئا آخر غيره إلّا بما أنّ له نصيبا من الواقعيّة .
غير أنّا كما لا نشكّ في ذلك لا نرتاب أيضا في أنّا ربّما نخطؤ ، فنحسب ما ليس بموجود موجودا أو بالعكس ، كما أنّ الإنسان الأوّليّ كان يثبت أشياء ويرى آراءا ننكرها نحن اليوم ونرى ما يناقضها ، وأحد النظرين خطأ لا محالة [ 1 ] .
وهناك أغلاط نبتلي بها كلّ يوم ، فنثبت الوجود لما ليس بموجود وننفيه عمّا هو موجود حقّا ، ثمّ ينكشف لنا أنّا أخطأنا في ما قضينا به .
فمسّت الحاجة إلى البحث عن الأشياء الموجودة وتمييزها بخواصّ الموجوديّة المحصّلة ممّا ليس بموجود [ 2 ] ، بحثا نافيا للشكّ منتجا لليقين ، فإنّ هذا النوع من البحث هو الّذي يهدينا إلى نفس الأشياء الواقعيّة بما هي واقعيّة .
وبتعبير آخر : بحثا نقتصر فيه على استعمال البرهان ، فإنّ القياس البرهانيّ هو المنتج للنتيجة اليقينيّة من بين الأقيسة ، كما أنّ اليقين هو الاعتقاد الكاشف عن وجه الواقع من بين الاعتقادات . فإذا بحثنا هذا النوع من البحث أمكننا أن نستنتج به أنّ كذا موجود وكذا ليس بموجود .
ولكنّ البحث عن الجزئيّات خارج من وسعنا [ 3 ] ، على أنّ البرهان لا يجري
هامش
- يحسبه الظمآن ماءا حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا .
والإنسان لا يقصد القسم الأخير مشعرا بأنّه من الوهميّات الصرفة الّتي لم تكن منشئا للآثار ، بل إنّما يقصده زعما أنّه عين خارجيّة أو منته إليها . فالإنسان إنّما يقصد الشيء لأنّه عين خارجيّة أو منته إليها ، سواء وصل إلى ما يقصد أو لم يصل إليه لكشف خلافه .
( 1 ) وإلّا يلزم اجتماع النقيضين .
( 2 ) قوله : « المحصّلة » صفة للخواصّ ، أي الخواصّ الّتي تتحصّل وتتعيّن بها الموجوديّة ويتميّز بها الموجود ممّا ليس بموجود .
( 3 ) لأنّها غير متناهية .