وذهب قوم من المشّائين إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها 1 أمّا كونه حقائق متباينة ، فلاختلاف آثارها ؛ وأمّا كونها متباينة بتمام الذوات ، فلبساطتها . وعلى هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها عرضيّا خارجا عنها 2 لازما لها .
والحقّ أنّه حقيقة واحدة مشكّكة ؛ أمّا كونه حقيقة واحدة ، فلأنّه لو لم يكن كذلك ، لكان حقائق مختلفة متباينة بتمام الذوات ؛ ولازمه كون مفهوم الوجود - وهو مفهوم واحد كما تقدّم 3 - منتزعا من مصاديق متباينة بما هي متباينة ؛ وهو محال ؛ بيان الاستحالة : أنّ المفهوم والمصداق واحد ذاتا ، وإنّما الفارق كون الوجود ذهنيّا أو خارجيّا ، فلو انتزع الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير ، كان الواحد بما هو واحد كثيرا بما هو كثير ؛ وهو محال .
وأيضا ، لو انتزع المفهوم الواحد بما هو واحد من المصاديق الكثيرة بما هي كثيرة ، فإن اعتبر 4 في صدقه خصوصيّة هذا المصداق لم يصدق على ذلك المصداق ؛ وإن اعتبر فيه خصوصيّة ذاك لم يصدق على هذا ؛ وإن اعتبر فيه الخصوصيّتان معا لم يصدق على شيء منهما 5 ؛ وإن لم يعتبر شيء من الخصوصيّتين - بل انتزع من القدر المشترك بينهما - لم يكن منتزعا من الكثير بما هو كثير ، بل بما هو واحد ، كالكلّيّ المنتزع من الجهة المشتركة بين الأفراد الصادق على الجميع ، هذا خلف .
وأمّا أنّ حقيقته مشكّكة ، فلما يظهر من الكمالات الحقيقيّة المختلفة التي هي صفات متفاضلة غير خارجة 6 من الحقيقة الواحدة ، كالشدّة والضعف ، والتقدّم
هامش
( 1 ) كما في شرح المنظومة : 24 .
( 2 ) إذ لو كان داخلا ، كان جزءا وينافي ذلك البساطة - منه رحمه اللّه - .
( 3 ) في الفصل الثاني من هذه المرحلة .
( 4 ) في المطبوع : « فإمّا أن تعتبر » وما أثبتناه أولى منه كما لا يخفى .
( 5 ) أي وإن اعتبر فيه الخصوصيّتان معا فلم يصدق على أحدهما بعينه .
( 6 ) إذ لو كانت خارجة من حقيقة الوجود كانت باطلة ؛ لإنحصار الأصالة في الوجود - منه رحمه اللّه - .