حول تفسير الرضا بالمعاملة بالقصد ونقده
بقي هنا الكلام في أنَّ الرضا بالمعاملة الذي يجتمع حتّى مع الإكراه هل هو بمعنى القصد ؟ فإذا لم يقصد لم يكن تجارةً حتّى يكون تجارةً عن تراضٍ ، مع أنَّ ظاهر الآية تقسيم التجارة إلى ما يكون عن تراضٍ وما لا يكون ؟ ولو كان معنى الرضا بالمعاملة هو صدورها عن دواعيه النفسيّة فقط ، فهو ممّا لا يجتمع مع الإكراه والإلزام . إذن فلا يخلو الحال من أمرين : إمّا أن تقول : إنَّ الرضا بمعنى القصد ، وهذا خلاف ظاهر الآية ، أو بمعنىً آخر ، وهو لا يجتمع مع الإكراه ، فلا يكون الدليل الثانوي شاملًا له ؛ لأنَّ دليل التجارة عن تراضٍ لا يشمل العقد الصادر عن الإكراه ، فيكون باطلًا بحسب الحكم الأوّلي .
أقول : لو كان الرضا بمعنى القصد ، فهل يلزم النقض علينا في تمام الموارد ؟ نعم ، والوجه فيه : أنَّه إذا صدق عنوان التجارة مع عدم القصد ولو في موردٍ ، لكفى في تقييد دليل التجارة عن تراضٍ بالتراضي .
ثمَّ إنَّه تارةً يكون الإلزام في حقّ كلٍّ من البائع والمشتري ، فلا يتوفّر القصد من كلٍّ منهما ، ومعه لا تصدق المعاملة ، ونحوه ما لو كان البائع غير قاصدٍ ؛ فإنَّه لا يصدق البيع أيضاً . وأمّا إذا كان المكره هو القابل ، وقبل البيع لا الإيجاب ؛ إذ الإيجاب تمام ماهيّة البيع ؛ لوضوح أنَّ ماهيّة البيع هو النقل بالعوض الذي يقوم بإنشائه البائع ، والقبول إنَّما هو من باب ( شكر الله سعيك ) ومن قبيل إجازة الفضولي ، فلا يبعد القول بأنَّ رضا القابل كافٍ غير مفتقرٍ إلى القبول . بل حتّى لو قلنا بلزوم القبول ، لم يكن معناه تأثيره في ماهية البيع ، بل المراد تأثيره في جعل الماهيّة ذات أثرٍ .