فليقع الكلام الآن في الأدلّة التي استُدلّ بها على التفصيل بين مسوّغات المحرّمات ومبطلات المعاملات .
فنقول : أمّا حديث « رفع ما استُكرهوا عليه » « 1 » فهو على حدٍّ سواءٍ فيهما ؛ بعد القول بشموله للأحكام التكليفيّة والوضعيّة معاً ، فلو كان الهرب حرجيّاً في المثال ، لصدق الإكراه عليه .
وأمّا الآية النازلة في شأن عمّار « 2 » ففيها : أنَّ عمّاراً قد أُكره على سبّ النبي ( ص ) والبراءة منه ، وهو من أكبر الكبائر وأعظم الموبقات ، إلّا أنَّ الآية لم تقل : إلّا من أكره إلى حدّ الإلجاء والقهر ، فلا يكون كلّ إكراهٍ موضوعاً في الحكم ، بل المناط الإكراه الخاصّ ، مع شدّة الموقف وخطورته .
وأمّا حديث الرفع فلا قيد فيه ولا شرط ، ما يلزم اتّباع الإطلاق فيه ، مع أنَّه لا يمكن تنقيح موضوعٍ أو مفهومٍ بدلالته محضاً ، وسيأتي الكلام فيه لاحقاً إن شاء الله تعالى .
إن قلت : إنَّه يُستفاد من أدلّة المحرّمات ما لا يُستفاد من أدلّة المعاملات ، فلزم الفرق بينهما .
قلت : هذا غير واضحٍ ، فلابدَّ من تحديد الدليل ونقده ، وإلّا فليس هاهنا إلّا الإطلاقات والعمومات ، كما لا يصحّ القول بأنَّ رفع ما استُكرهوا عليه دالٌّ على كذا في موردٍ ودالٌّ على كذا في موردٍ آخر « 3 » ؛ لعدم الدليل عليه .
هامش
( 1 ) تقدّمت الإشارة إليه آنفاً ، فراجع .
( 2 ) أي : الآية : 106 من سورة النحل .
( 3 ) كعدم صحّة القول بأنَّه لا صلة له بالمعاملات ، فيلزم الاستدلال عليه بحديث ( لا يحلّ ) ودليل ( التجارة عن تراضٍ ) . وأنت خبيرٌ : بأنَّ قاعدة السلطنة موردها التصرّف في الأموال لا المعاملات والمبادلات . وعلى تقديره فطيب النفس بهذا المعنى غير معتبرٍ أصلًا ، وإلَّا فلا طيب نفسٍ للمضطرّ مع أنَّ عقوده ومعاملاته صحيحةٌ ؛ بملاك عدم الإكراه . ولو فسّرنا طيب النفس بمعنىً آخر أعمّ من الرضا ونحوه ، لكان وجيهاً ، إلّا أنَّ هذا المعنى في مقابل الإكراه بمعنى : إلزام الغير على أمرٍ ، فلابدَّ من لحاظ الإكراه حينئذٍ ، لا لحاظ الكره النفساني . ولذا لا يرى العقلاء - في نحو المثال المذكور من قبل الشيخ الأعظم ( قدس سره ) آنفاً - أنَّه مكره وإن أمكن التفصّي ، بل لو لم يمكن لكان فعله جائزاً نافذاً ( المقرّر ) .