وإذا كان ذلك في مصلحة التخطيط كان ضروريا . غير أن إثبات هذا الاحتمال ، منوط بالعلم الإلهي وحده .
- 11 - المرحلة الثالثة : النبوات القبلية :
ينبغي - في هذا الصدد - الالتفات إلى فكرتين :
الفكرة الأولى : انه يمكن اعتبار القبيلة والعالمية فكرتان مستقطبتان ، بينهما درجة من التنافي ، ويكون الشعور بإحداهما تارة خالصا وأخرى وسطا أما بمعنى الشعور بأهمية العمل أوسع من القبيلة وأضيق من العالم ( كالوطن مثلا ) ، وأما بمعنى الشعور بعدم التنافي بين مصلحة القبيلة ومصلحة العالم ، أو بأي معنى آخر .
وقد مرت هاتان الفكرتان في التاريخ البشري على مراحل ، بدأت بالقبيلة الخالصة وانتهت بالعالمية الخالصة . ففي العصر الذي نؤرخه كان الشعور قبليا خالصا ، على حين لم يلتفت الرأي العام العالمي التفاتا ( قانونيا ) ولم يعره أهمية تنظيمية قبل القرن الحالي . وسنعرف متى أصبحت النبوات عالمية ، قبل الرأي العالم العالمي بمئات السنين .
وقد كانت النبوات إلى زمن إبراهيم عليه السلام ، تتجنب الخوض في هذا الجدال ، فهي لا تعلن أيا من الفكرتين . أما فكرة العالمية فلعدم تقبلها يومئذ ، وأما فكرة القبلية ، فباعتبار قيامها على اعتبارات ظالمة غير صحيحة فلم تكن هناك مصلحة لابراز أي من الفكرتين .
ولكن تدريجا أصبح يتكون من بعض أحفاد إبراهيم عليه السلام ( قبيلة مؤمنة ) عاملة بتعاليم هذا النبي العظيم ، غير قائمة على المظالم التي قامت عليها القبائل الأخرى . ومن هنا أمكن للنبوة أن تعلن القبيلة .
وقد تدرجت النبوات منذ ذلك الحين ، ببطء شديد إلى ( التجريد ) والتوسع نحو الفكرة العالمية ، بمعنى ان المعطى النبوي كان يتسع تدريجا ، على ما سوف نرى ، حتى وصل إلى إعلان العالمية الكاملة في عصر الاسلام .
الفكرة الثانية : اننا قلنا أن النبوات التربوية ينبغي لها ان تبدأ من الواقع وتحاول الارتفاع به ، لا انها تبدأ من نطاق أوسع منه ، فتكتب لنفسها الفشل المحتم .
وقد كان الواقع يومئذ قائما على إدراك أن القبليّة هي أحسن تنظيم اجتماعي يمكن القيام به لمصلحة المجموع ، ومن ثم لم يكن في إمكان النبوات تغيير هذا الواقع
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( اليوم الموعود ) — صفحة 458
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٥٨