الإحضار الثبوتي ، ويكون المراد : فعلمت نفسٌ بما فعلت ثبوتاً .
ثُمَّ إنَّ نفس التعبير بقوله : أَحْضَرَتْ له مقاصد دقيقة :
منها : أنَّ الفاعل عند حضور الفعل يعلم ماذا فعل ، فبدل أن يقول : فعلت ، قال : أَحْضَرَتْ من باب أنَّهما متلازمان أو متساويان في الصدق في هذا المورد .
ومنها : أنَّ الفعل لا يفنى بعد إنجازه ، بل يبقى في قلب الزمان له نحوٌ من الوجود التكويني الثبوتي ، فيمكن أن يحسّ به الفرد في لحظةٍ من لحظات وجوده : عند الاحتضار أو في القيامة أو في الدنيا ، كما يمكن أن يحسّ به الملائكة أو المعصومون ( عليهم السلام ) . وأما الله فحاضر العلم به ، وهذا نوع من الإحضار : أي يحضر نفس العمل .
ومنها : أن نفهم أنَّ أَحْضَرَتْ بمعنى قدّمت من قبيل قوله تعالى في آية أُخرى : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ « 1 » .
فيكون المراد إنجاز العمل أمام الله سبحانه من حيث كونه مرئيّاً ومعلوماً لله سبحانه وبين يديه ، سواء علم الفرد به أم لم يعلم .
ولا يخفى : أنَّ الفسقة والكفرة في غفلة عن أنَّ الله تعالى يراهم ويشاهد أعمالهم ، وإن انكشف في حال الاحتضار وفي يوم القيامة لهم هذا المعنى ، فيكون ذلك حسرةً عليهم .
وبذلك الوجه أيضاً يمكن تصوير حضور نفس العمل في الحساب ، لا مجرّد صورة العمل التكويني والتذكير به .
هامش
( 1 ) سورة الانفطار ، الآية : 5 .