المقصودون من هذه القضيّة الجزئيّة ؟
ويمكن أن يكون الجواب - والله العالم - أنَّه وإن قصد نفساً معيّنةً ، إلّا أنَّنا نفهم منها الإنسان المطلق ؛ لأنَّه لم يشر بشكل محدّدٍ إلى نفسٍ بعينها ، فكذلك نحن لا يمكننا الإشارة ؛ لأنَّه من الترجيح بلا مرجّحٍ ؛ إذ النفوس كلّها متساويةٌ أو مختلفةٌ اختلافاً قليلًا .
نعم ، ربما يُقال : إنَّها نور الحقيقة المحمّديّة ، أو قل : النفس المطلقة لا مطلق النفس ، فيتعيّن الانصراف إليها ، وكذلك إذا قصدنا بعض النفوس بنحو القضيّة الجزئيّة ، فيكون المراد الأشدّ في جانب الإيمان أو الأشدّ في جانب الطغيان أو هما معاً .
ثُمَّ إنَّ الآية لو حملناها على هذا الوجه - أي : أن يكون المقصود من النفوس بعض النفوس بنحو القضيّة الجزئيّة - فلا يعني ذلك أنَّ سائر النفوس لا تعلم ماذا أحضرت ؛ إذ ليس في الآية مفهوم مخالفة يخرج ما عداها .
والخطوة الأُخرى التي ينبغي اتّخاذها في الآية بالنسبة إلى معنى ( أحضرت ) أن نقول : إنَّ ( أحضرت ) رباعي مزيد من حضر وأحضر من الحضور ، ومعناه التحقّق والوجود ، وهذا المعنى له مستويان ثبوتي وإثباتي . والظاهر : أنَّ المشهور فهم المعنى الإثباتي ، يعني : تعلم النفس ما سبق أن فعلته علماً إثباتيّاً ، فهي تتذكّر ما سبق أن فعلته ونحو ذلك .
وأمّا الثبوتي فهو بمعنى أنَّ النفس تستحضر نفس العمل . ويمكن أن نقول : بأنَّ المراد بأحضرت هو الإحضار الثبوتي لا الإحضار الإثباتي ؛ لنكتةٍ بسيطة مفادها أنَّ الإحضار الإثباتي مفهومٌ من سياق الآية ، لا سيّما قوله : عَلِمَتْ ولا حاجة إلى فهمه من أَحْضَرَتْ فيبقى أَحْضَرَتْ بمعنى
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 56
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٦