والحيوانات تدرك بارتكازها العقلي أنَّ هذا التصرّف اعتداءٌ ، ومع ذلك قد يخالف الحيوان ارتكازه ، فيحاسب لمخالفته هذا الارتكاز وإدخاله على نفسه حقّ الله وحقّ المعتدى عليه ، أو قل : الحقّ العامّ والحقّ الخاصّ .
أمّا الحقّ العامّ فساقطٌ باعتبار عدم التكليف المباشر ، بعد التنزّل عن المستوى الأوّل ، فيبقى الحقّ الخاصّ ، وهو لا مفرّ منه ، والذي تقوم عليه فكرة الاعتداء ، أي : المعتدي والمعتدى عليه ، وهذا الحقّ هو الأهمّ ؛ لأنَّ الله تعالى سريع الرضا ، والعبد شحيحٌ مطالبٌ بحقّه يوم القيامة .
* * * * قوله تعالى : وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ :
أفاد الراغب : إنَّ السجر تهييج النار ، يُقال : سجرت التنّور ، ومنه وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ « 1 » . . . . وقوله : وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ أي : أُضرمت ناراً عن الحسن ( والظاهر أنَّها روايةٌ عن الحسن البصري ) وقيل : غيضت مياهها ، أي : تبخّرت ، وإذا تبخّرت جفّت مياهها ، وإنَّما يكون كذلك لتسجير النار فيه . . . والسجير الخليل الذي يسجر في مودّة خليله ، كقولهم : فلان محرقٌ في مودّة فلانٍ « 2 » .
أقول : على ذلك يكون سجّرت وسعّرت في قوله تعالى : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ بمعنىً واحدٍ ، أي : أُضرمت فيها النار . وكذلك قوله تعالى : وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ « 3 » يمكن أن يرجع إلى هذا المعنى . فالمحصّل : أنَّ سجّرت وسعرت وفجّرت بمعنىً واحدٍ هو إضرام النار فيها .
هامش
( 1 ) سورة الطور ، الآية : 6 .
( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 224 ، مادّة سجر .
( 3 ) سورة الانفطار ، الآية : 3 .