والظاهر : أنَّ الأصل للمادّة هو الاجتماع لا الدوران ، وإن يحصل أحياناً الاجتماع على شكل مدوّرٍ ، فيسمّى التدوير تكويراً .
نعم ، قد يُطلق التكوير على كلّ شيءٍ اتّخذ شكلًا كرويّاً ، والشكل الكروي استعمالٌ قديمٌ وملحوظٌ كاصطلاحٍ معروفٍ في الجبر والهندسة القديمة .
ثُمَّ إنَّه ثبت في العلم الحديث أنَّ كلّ واحدٍ من الأجرام السماويّة - وخاصّة في المجموعة الشمسيّة - كروي الشكل تقريباً ، إلّا أنَّ هذا لم يكن معروفاً في صدر الإسلام ، بل كانت تبدو لهم النجوم كنقاطٍ مضيئةٍ وتبدو الشمس والقمر مدوّرات مسطّحة لا كرويّة ، ولم يكن العرف العامّ يفهم الكرويّة بالمعنى الذي نفهمه .
ومن هنا يمكن الإشارة في قوله تعالى : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إلى عدّة أُطروحات :
الأُطروحة الأُولى : وهي الأُطروحة المشهورة المستندة إلى قاعدة ( كلّم الناس على قدر عقولهم ) ؛ إذ لا يمكن أن ينزل في الآية ما يخالف مستوى إدراكات العصر ، وإن كان المعنى المطابقي في بطون القرآن ، وحاصلها ما أفاده صاحب « الميزان » بقوله : ولعلّ المراد بتكوير الشمس انظلام جرمها على نحو الإحاطة استعارةً « 1 » .
أقول : هذه الأُطروحة لا تخلو من مناقشةٍ ؛ إذ المعنى الذي حملته لتكوير الشمس هو انطماس ضوءها وانظلام جرمها ، فيكون الظلام سبباً للتكوير على نحو الاستعارة والمجاز . ومن هنا تنشأ المشكلة ، فلابدّ من علاقة مّا بين
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 213 : 20 ، تفسير سورة التكوير .