وهنا يوجد سؤالٌ حاصله : أنَّنا فهمنا من الكدح العمل الصالح - كما هو المشهور على الأقلّ - أي : ملاقي ثوابه ، والثواب يكون للعمل الصالح ، وليس للعمل الطالح ، أو نقول : إنَّنا فهمنا من الإنسان الإنسان المطلق ، والإنسان المطلق ليس له عملٌ طالحٌ أو عملٌ ضالٌّ أو ظلمٌ .
والغرض : أنَّنا قد فهمنا سابقاً : أنَّ المراد من الإنسان في الآية الشريفة هو الإنسان المطلق ، والإنسان المطلق ليس له عملٌ طالحٌ أو ضالٌّ أو ظالمٌ ( والعياذ بالله ) .
وكلّ هذا الكلام مبني على فهمنا للكدح من أنَّه العمل الصالح ، وأمّا إذا قصدنا منه شيئاً آخر كمطلق العمل أو نحو ذلك فينسدّ باب السؤال وتكون القضيّة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع .
ولكن لو فهمنا منه خصوص العمل الصالح فيأتي السؤال : كيف يترتّب عليه الانقسام إلى أهل الثواب وأهل العقاب ؟ فقوله تعالى : مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ « 1 » واضحةٌ ؛ لأنَّها تنسجم مع العمل الصالح ، ولكن كيف ينسجم قوله تعالى بعد ذلك : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ « 2 » مع الكدح الذي هو العمل الصالح ؟ فتكون المقدّمة غير النتيجة .
ويؤيّد هذا في حال لو فهمنا من الآيات السابقة عليه شيئاً من هذا القبيل ؛ لأنَّنا لا نفهم دلالة هذه الآية فقط يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ « 3 » على العمل الصالح ، ولكن نفهم ما قبلها أيضاً هكذا .
هامش
( 1 ) سورة الانشقاق ، الآية : 7 .
( 2 ) سورة الانشقاق ، الآية : 10 .
( 3 ) سورة الانشقاق ، الآية : 6 .