النقطة الأُولى : السؤال عن السبب أو العلّة الغائيّة لهذه الشهادة والرؤية في قوله : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ .
وجوابه في أكثر من مستوىً واحدٍ :
منها : ما ذكرناه أنَّه يكون زيادةً في شرف الأبرار وسعادتهم ونعيمهم برؤية المقرّبين لهم وزيارتهم لهم .
ومنها : أنَّ المقرّبين يشهدون كلّ الأُمور التي دونهم ؛ لأنَّ العالي يرى الداني ، ولا عكس ، فهم يرون الأبرار وغير الأبرار ، ويكشف الله لهم من خلقه ما يشاء . وهذا لا ينافي المستوى الأوّل ؛ لأنَّ الأبرار يحسّون بالسعادة لرؤية المقرّبين لهم . وفي الآية دلالةٌ على معرفة المقرّبين ليس فقط بنعيم الأبرار ، بل بمستواهم الحقيقي وأعمالهم الصالحة تفصيلًا . وهو واضحٌ من قوله : إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ وقوله : كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ بعد أن نفسّر الكتاب بأعمالهم أو مستوياتهم أو أنفسهم ؛ من حيث إنَّ الأعمال بالتدريج تبني النفس وتقولبها بقالبها ؛ باعتبار الآثار الوضعيّة الناتجة عنها . فهذا هو المكشوف للمقرّبين من حال الأبرار .
النقطة الثانية : مكان حصول المشاهدة .
والمشهور أنَّها في الجنّة ، ولا بأس بذلك . ولكن أقول : إنَّه يمكن أن تحصل في الدنيا أيضاً ؛ باعتبار النظر بعين البصيرة ، كما أشار إليه الراغب « 1 » .
فإن قلت : فإنَّه يقول إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وعلّيّون هو الجنّة ، والجنّة لا يمكن رؤيتها في الدنيا ؛ لأنَّها في عالمٍ آخر .
قلنا : إنَّنا علمنا : أنَّ الأرجح أن يكون المراد معرفة المستوى للأبرار ،
هامش
( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 274 - 275 ، مادّة ( شهد ) .