وإلَّا لم يكن عذاباً ، بل سبباً للعذاب . وسبب العذاب ليس بالضرورة أن يكون منتجاً لفعليّة العذاب ؛ لأنَّه مقتضي العذاب ، وليس العلّة التامّة للعذاب طبعاً . ومنه يُقال : ناقةٌ مسعورةٌ أو كلبٌ مسعورٌ ، أي : بلحاظ الجانب النفسي للحيوان . وسعر الرجل أصابه حرٌّ . فقوله تعالى : وَيَصْلَى سَعِيرًا أي : يُقاسي ويُعاني هذا الجانب النفسي ، كلّ ما في الأمر أنَّ هذا الجانب لا يحصل جزافاً ، بل بعلّته ، وعلّته هي شدّة الحرّ . ومعه فالآية تدلّ على كلا الجانبين ، أي : السبب والمسبّب ، بمعنى : شدّة الحرّ والمعاناة منها .
* * * * قوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا :
فهم المشهور من هذه الآية : أنَّه مسرورٌ في الدنيا في أهله ويصلى سعيراً في الآخرة . ولعلّه يمكن أن نقول : إنَّ هذا المعنى عليه إجماع المفسّرين « 1 » ، وإنَّ مرجع الضمير في هذه الآية هو الفاسق الفاجر الذي يصلى السعير .
وقد قدّمنا معنى الأهل في الأبحاث السابقة . وعلى كلّ حالٍ فإنَّه في أهله موجودٌ أيضاً ، وينقلب إلى أهله مسروراً ، أي : إنَّه كان في أهله مسروراً ، وقد سبق الكلام في الأهل . وهنا يوجد إشكالٌ ؛ لأنَّني ذكرت معنى الأهل في كتاب ) فقه الأخلاق ( قائلًا « 2 » : إنَّ الأهل هؤلاء الناس الذين هم متجانسون فيما بينهم ولا يكتم عنهم سرّاً وينفعونه 100 % وينفعهم 100 % ، ولا ينالهم من
هامش
( 1 ) أُنظر : تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 470 : 6 ، الجامع لأحكام القرآن 273 : 20 ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 289 : 15 ، وغيرها .
( 2 ) راجع فقه الأخلاق 298 : 1 ، كتاب الصلاة ، الفقرة ( 43 ) .