الله سبحانه لا اختياراً ؛ لأنَّ جهنّم تذلّ ساكنيها بطبيعة الحال .
الأُطروحة الثانية : خاشعة أي : خاشعة لله اختياراً في الدنيا لا في الآخرة .
فإن قلت : كيف يُقال بأنَّها خاشعةٌ لله اختياراً في دار الدنيا مع أنَّ الآيات اللاحقة لها دلّت على أنَّها تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ؟
ويمكن الجواب عنه بوجهين :
الأوّل : أن نقول : إنَّ هذا العذاب الذي تتّصف به الوجوه الخاشعة عذابٌ دنيوي ؛ لأجل زيادة كمالها وزيادة امتحانها ، فتصلى ناراً حاميةً من خلال البلاء الدنيوي ، لا من جهنّم ، وحينئذٍ يستقيم الكلام .
الثاني : أنَّ بعض الناس ظاهرهم الصلاح في الدنيا ، فيقيمون صلاة الليل ويصومون الأشهر الثلاثة ( رجب وشعبان وشهر رمضان ) إلّا أنَّهم من أهل النار ، فقوله تعالى : عَامِلَةٌ أي : ظاهراً عاملة ، وقوله : نَاصِبَةٌ أي : جاهدة في سبيل الله ظاهراً ، إلّا أنَّها تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً .
كما يمكن الإشارة إلى نماذج على عكس ما تقدّم ؛ إذ قد تحسب بعض الأشخاص ضالًا لن يناله الله برحمته ، فيدخله الله سبحانه في رحمته ، فالله سبحانه جعل الباطن والقلب هو المقياس لا الظاهر . ولعلّه إلى هذا المعنى يشير الحديث الوارد عن رسول الله ( ص ) : « إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ، وإنَّما ينظر إلى قلوبكم » « 1 » .
فالأعمال وإن كان لها دخلٌ في حصول الثواب ، إلّا أنَّها ليس لها الدخل الحقيقي الكامل ، بل الإنسان يُحشر على ما يموت عليه وعلى ما عقد عليه قلبه وروحه .
يلزم هنا الإشارة باختصار إلى جهةٍ أُخرى من البحث - وهذه الجهة
هامش
( 1 ) جامع الأخبار : 100 ، الفصل 56 ، وبحار الأنوار 248 : 67 ، الباب 54 ، الحديث 21 .