لأجل إضفاء الهيبة وأهمّيّة الموقف ، وعليه فسوف يذهب به الذهن كلّ مذهبٍ في أنَّ ما هو المذكور والمتذكّر ؟
وإذا أردنا التدقيق في ذلك ، فلا حاجة إلى فرض الهيبة وهول الموقف ؛ فإنَّ الإنسان يتذكّر حياته الدنيا وأعماله التي اقترفها في هذا العالم أو يتذكّر سيّئاته وتقصيراته .
ثُمَّ إنَّ قوله : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ بمعنى : يتذكّر أعماله ، وإنَّما يكون الحساب بالتذكّر ، ويكون تذكّراً قطعيّاً لا شائبة فيه بحيث يشهد الفرد على صحّته : اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا « 1 » . ومنه الكتابة التكوينيّة في كتاب الحياة والقراءة التكوينيّة .
وقوله : وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى استبعادٌ للتذكّر ، بل تعذّره ، وهي هنا بمعنى ( كيف ) . وهو استفهام استنكاري يدلّ على تعذّر الواقع . قالوا : إنَّ أنى الاستفهاميّة اسمٌ مبني على السكون في محلّ نصبٍ على الظرفيّة المكانيّة ، بمعنى : كيف لها أن تكسل ، والكسل ضارٌّ ؟ أي : كيف تكسل ؟ أو بمعنى : من أين ؟ أنَّى لك المال ؟ وهو أيضاً محتملٌ هنا .
فإن قيل : إنَّنا سمعنا الآن أنَّها أداةٌ مكانيّةٌ ، وهو لا يلائم السياق .
قلنا : هذا مطعونٌ كبرىً وصغرىً . أمّا الكبرى فلأنَّهم قالوا : إنَّها مكانيّةٌ ، مع العلم أنَّ جميع أمثلتها لا تناسب ذلك . وفي القرآن : أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا « 2 » بمعنى : كيف ؟ وقوله : يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ « 3 » . وكلّه لا يفيد المكان
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 14 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 259 .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 37 .