بعينيه إذن فالله يرى ؛ لأنَّه أعطى الرؤية ، وحيث إنَّ الإنسان ينطق ، فالله تعالى ينطق وهو متكلّمٌ وقد كلّم موسى تكليماً . وحيث إنَّ الإنسان عاقلٌ وعالمٌ ومدركٌ للنجدين - وهو طريق الحقّ وطريق الضلال - فالله تعالى أيضاً عاقلٌ وعالمٌ ؛ لأنَّه أعطى العلم والعقل . ولكن الله تعالى لا يوصف بالعقل لا لأنَّه لا عقل له ، بل لأنَّه فوق العقل ومستغنٍ عن العقل ومطّلع على أُمورٍ كثيرةٍ لا نهاية لها تخفى على العقل . ونسبة العقل إليه كنسبة الشمعة إلى نور الشمس .
نعم ، يوصف الموجود الأوّل بالعقل ، فيسمّى بالعقل الأوّل ؛ لأنَّ خصّيصته الرئيسية هي الإدراك ؛ حيث يدرك ذاته وعلّته بالعلم الحضوري ، ويدرك غيره بالعلم الحصولي .
* * * * قوله تعالى : وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ :
لماذا التخصيص باللسان والشفتين ؟ ولماذا ذكر الشفتين ولم يذكر السمع ؟
ولماذا قال : ( لساناً وشفتين ) مع أنَّه يكفي أحدهما للرمز عن النطق ؟
والجواب عنه :
أولًا : أنَّ كلًا منهما يساعد على النطق ، ولا سبيل إليه بدونهما معاً .
ثانياً : أنَّ كلًا منهما يساعد على نطق بعض الحروف ، فمجموعها يساعد على الجميع .
فإن قلت : فإنَّ من الحروف ما لا يكون لسانيّاً ولا شفويّاً بل حلقيّاً ، كالحاء والهاء .
قلنا : هذا ممّا لا يعرفه الناس يومئذٍ ويتخيّلون اعتماد الحروف كلّها على
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 199
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٩