الأُولى : أنَّ المستعمل ليس هو لفظ العلم ليكون مجازاً في المجازات ، بل الخبير ، ولا ملازمة بين قصد المجازات في الآيات الأُخرى وقصدها في هذه الآية ؛ لتعدّد المادّة ، والمعنى لا يكون مجازاً بل اللفظ .
الثانية : أنَّه إذا كان خبيراً بمعنى معاقب ، لزم استعمال ( لهم ) لا ( بهم ) ؛ لأنَّ العقاب يتعدّى باللام .
اللّهمّ إلّا أن يُقال باستعمال الحرف مجازاً أيضاً ، فنبتلي بمجازين ، في حين يكفينا في التقدير تجوّز واحد ، بل لا حاجة إلى التقدير ، كما قلنا ؛ لأنَّه سبحانه يعلم بهم أنفسهم .
وهنا نكتةٌ كلاميّةٌ يحسن مجرّد الإشارة إليها ؛ فإنَّه سبحانه وإن كان خبيراً بهم دائماً ، إلّا أنَّ المراد هنا هو العلم المتجدّد في عالم المحو والإثبات ، لا العلم الأزلي .
وهذا العلم المتجدّد يحصل بعد تحوّل ما بالقوّة إلى ما بالفعل نتيجةً للبلاء والتمحيص ، فيكون علماً بمعلول التمحيص ، كما في قوله تعالى : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ « 1 » .
فإذا أصبح صابراً كتب في الصابرين ، وإذا أصبح مجاهداً كتب في المجاهدين ، وإن أصبح معانداً كتب في المعاندين ، وهكذا ، فالعلم ينطبق على ما هو موجود فعلًا من قيود الزمان والمكان ، وهو المراد من : ( يومئذٍ ) أو ( عندئذٍ ) ، أي عند إنتاج التمحيص لمعلوله .
فهو سبحانه خبيرٌ بمستواهم الذي هو نفس ذواتهم كما قلنا ، وهذا كما ينطبق في الآخرة ينطبق في الدنيا أيضاً .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 142 .