لأنَّ جهنّم ليس لها علمٌ ، وإنّما العلم عند الله سبحانه .
ومعه يفشل هذا الوجه ، إلّا أن نجد له تفسيراً آخر ، فنقول :
التفسير الأوّل : أنَّ الاطّلاع ليس بمعنى المعرفة بل بمعنى النظر ، أي : وصل نظره إليه واطلّع عليه ، كما ينظر الإنسان من النافذة .
وفي الحديث : ( إنَّ الله اطلّع اطلاعةً على البشر ، فاختارني منهم ) « 1 » ، أي : نظر إليهم ، فالنظر يصل إلى المنظور إليه ، وليس هو ملازم للفهم دائماً ، فتأمّل .
التفسير الثاني : أن نقول - كما قال الفلاسفة - : إنَّ الأشياء كلَّما صعدت في عالم الروح المجرد زاد فهمها وإدراكها ، وكلَّما كانت أقرب إلى المادّة قلَّ فيها ذلك ، إذن تكون الأشياء في عالم الروح الأُخروي فاهمةً ومدركة . وجهنّم جزءٌ من ذلك ؛ لأنَّ الإدراك مساوق للوجود ، فكلّما ارتفع الوجود زاد الإدراك ، وكلّما تنازل قلَّ ، وبذلك تكون جهنّم مطّلعةً على الأفئدة .
التفسير الثالث : أنَّ ( تَطَّلِع ) لها قراءةٌ أُخرى وإن لم تكن مشهورة ، وهو تطلع بالتخفيف ، أي : تصعد إليها وتخرج إليها وتدخل فيها .
الوجه الثالث : ما ذكره الشريف الرضي أيضاً من : أنَّ شُعب النار تدخل في أفواههم ، فتصل إلى أجوافهم وقلوبهم ، فيكون ذلك أبلغ في المضض وأعظم للألم « 2 » .
أقول : وفرقه عن الوجه السابق أنَّ ذاك على معنى : أنَّ الألم لم يصل إلى الفؤاد ، ولكن هنا تصل نفس النار إليه .
هامش
( 1 ) الخصال : 412 ، باب الثمانية ، الحديث : 16 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان 509 : 2 ، الحديث : 900 و 976 ، غيبة النعماني : 94 ، الباب : 4 ، الحديث : 24 .
( 2 ) تلخيص البيان : 119 .