الواحد لا يصدر عنه إلا واحد :
« المسألة الثانية » : قال الفلاسفة : ان الواحد الذي ليس فيه حيثيات متعددة لا يصدر عنه الا واحد ، لأنه لا بد أن يكون بين العلة ومعلولها نوع من العلاقة والخصوصية ، ولولا وجود العلاقة بينهما لما استدعت العلة وجود معلول معين ، ولكان صدور الحرارة عن النار دون البرودة ، وصدور البرودة عن الماء دون الحرارة ترجيحا بلا مرجّح ما دامت العلاقة مفقودة بين الطرفين .
وقد تولد من هذه النظرية مشكلة فكرية ، وهي أن اللّه واحد من جميع جهاته ، والعالم متكثر ، فكيف صدر العالم المتعدد عن اللّه الواحد ؟ .
وعليه لا بد من القول إما بوحدة العالم ، وإما بتعدد الخالق ، وكلاهما خلاف الواقع . فما هو الحل ؟
وهذا الإشكال لا يرد على من ذهب إلى أن صفات اللّه غير ذاته ، كما يقول الأشاعرة « 1 » ، ولا على من قال بأن اللّه سبحانه هو الفاعل المختار يوجد الأشياء بإرادات متعددة ، إذ يكون فيه ، والحال هذه ، حيثيات كثيرة باعتبار صفاته ، وتعدد إرادته . أما القائلون بان اللّه واحد بالذات
هامش
( 1 ) وللأشاعرة مبدأ آخر غير تعدد الصفات يمكنهم ان يدفعوا به هذا الاشكال ، وكثيرا غيره من الايرادات ، وهو « ان جميع الممكنات تستند إلى اللّه ابتداء وبلا واسطة » كما ذكره صاحب المواقف في ج 4 ص 123 ، ويتفرع عليه ان النار ليست محرقة وان الحجر لا يسقط إلى أسفل إذا رمي في الهواء ، وان العلم بالنتيجة لا يوجد عند العلم بالمقدمات ، بل اللّه أوجد الاحراق عند وجود النار ، ولو شاء لأوجد نارا بلا احراق ، واحراقا بلا نار ، واللّه اسقط الحجر إلى الأرض ، ولو شاء لرفعه إلى السماء ، واللّه أوجد العلم عند النظر الصحيح ، ولو شاء لأوجد علما بلا نظر ، ونظرا بلا علم ، وأورد عليهم العلامة الحلي بأنه يلزمهم إذا علم الانسان بان الواحد نصف الاثنين ، وان الاثنين نصف الأربعة ان لا يعلم بان الواحد نصف نصف الأربعة .
أي يجوز تخلف العلة القهرية عن أسبابها الضرورية .