فأجاب عنه قدس سره بما لا يشفي العليل ، ولا يحسم مادّة الإشكال ، بل يؤكّده ويؤيّده ، حتّى انتهى الأمر إلى كسر رأس القلم « 1 » .
فلا بدّ من بيان أصل الإشكال ، والتفصّي عنه بنحو الإجمال ؛ فإنّ دفعه تفصيلًا متوقّف على مقدّمات لا يمكن تحصيلها إلّافي مقرّه من العلوم العالية .
فنقول : أصل الإشكال هو أنّ الإرادة إذا كانت هي العلم بالنظام الأتمّ ، وقد تعلّق العلم بوجود الفعل عن العبد ، فيكون واجب الحصول ، وهو مضطرّ في إيجاده ، فكيف يكون مثل هذا الفعل مورداً للحسن والقبح والمثوبة والعقوبة ؟ !
وبالجملة : إنّ فعل العبد إن علم اللَّه وجوده ، وتعلّق به قضاؤه وإرادته ، فهو واجب الصدور ، وإلّا فيكون ممتنع الصدور ، فكيف يكون العبد قادراً عليه ، ويستحقّ به الثواب والعقاب كما عليه العدلية ؟ !
ولقد أجاب عنه المحقّق البارع نصير الملّة والدين قدس سره : بأنّ العلم تابع للمعلوم ، لا المعلوم للعلم ، فلا يكون تعلّق العلم موجباً للوجوب والامتناع في المعلوم « 2 » .
وردّه بعض المحقّقين من الفلاسفة : بأنّ تابعية العلم للمعلوم إنّما هي في العلوم الانفعالية ، لا الفعلية ، وهو تعالى علمه فعلي ، فالمعلوم تابع للعلم « 3 » .
وهذا الإشكال واضح الورود على ظاهر كلامه ، ولكن يمكن توجيهه بما لا يرد عليه .
توضيحه : أنّ علّية كلّ مرتبة من مراتب نظام الكلّ لمرتبة تالية منه ،
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 89 - 90 .
( 2 ) - نقد المحصّل : 328 .
( 3 ) - الحكمة المتعالية 6 : 384 - 385 .