وأخرى : بأ نّه مع عدم تشخيص الموضوع ، ربّما تتداخل العلوم في المسائل ، ولا يعلم أنّها من أيّ علم من العلوم ، وقد تسالم القوم على أنّ تمايز العلوم بالموضوعات .
مندفع : أمّا الأوّل : فبأ نّه لا بدّ وأن تكون بين المسائل جهة مشتركة سارية في جميع موضوعات مسائل كلّ فنّ من الفنون ، وهذه هي موضوع العلم وإن لم نعرف اسمها ؛ إذ الأسماء لا دخل لها في المعاني .
وأمّا الثاني : فبأ نّه لا نسلّم هذا التسالم ، بل نقول في قبالهم : إنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض ، لا الموضوعات ، وكلّ مسألة دخيلة في غرض المدوّن ، تكون لا محالة من مسائل العلم المدوّن .
في تمايز العلوم
هذا ، والذي يؤدّي إليه النظر : أنّ مسائل العلوم والفنون ؛ من الأدبية ، والعقلية ، والفقهية ، والأصولية وغيرها ، كلّها تكون في حدود ذواتها - مع قطع النظر عمّا عداها من المدوِّن وأغراضه - ذاتَ خصوصية ، بها تمتاز مسائل كلّ علم عمّا سواها من مسائل العلم الآخر .
وإن شئت قلت : إنّ كلّ مسألة من كلّ علم ، لها بنفسها خصوصية ذاتية ، تشترك هذه المسألة في لواء هذه الخصوصية مع عدّة مسائل أخرى ، فتكون هذه وتلك جميعاً من فروع علم واحد ، وهذه الحيثية المشتركة ثابتة وسارية في جميع مسائل الفنّ ، من دون نظرٍ إلى ما هو الغرض من التدوين أصلًا .